صراع التعافي في العراق!

صراع التعافي في العراق!
Iraqi forces use a tractor to damage a poster of Iraqi Kurdish president Massud Barzani on the southern outskirts of Kirkuk on October 16, 2017. Thousands of residents fled Kurdish districts of Kirkuk for fear of clashes after Iraqi military forces launched operations against Kurdish fighters near the northern city, an AFP journalist said. / AFP / AHMAD AL-RUBAYE

محمد الرميحي

أمام المتابعين افتراضان لا أكثر حول مستقبل العراق السياسي؛ إما التعافي، وله شروطه، أو الدخول في أشكال أخرى وجديدة من الصراع تقضي على بقية «الوطن العراقي» كما عرف. طريق التعافي بدأت تظهر معالمها من خلال موقفين؛ الأول هو موقف المرجع الشيعي العراقي السيد على السيستاني الأسبوع الماضي، حين أعلن متحدث باسمه أنه على «الحشد الشعبي» أن يسلم سلاحه للدولة، انطلاقاً من أن لا سلاح خارج سلطة الدولة، والدولة بسلاحين تعني الفوضى، وقبله بأيام أعلن المجتهد الشيعي العراقي مقتدى الصدر حل الميليشيات التابعة له، وتسليم سلاحها إلى الدولة، الأمر الذي رحبت به الدولة العراقية من خلال تصريح رئيس الوزراء حيدر العبادي، الأمر الآخر في طريق التعافي التي تسير في هذا الاتجاه دعوة الكويت لمؤتمر المانحين من أجل إعمار المناطق المتضررة في العراق، الذي سوف يعقد في فبراير (شباط) المقبل 2018. إلا أن الأمور على الأرض تختلف عن الإعلانات من المراجع أو الدولة العراقية، أو حتى المجتمع الدولي، فهناك شروط للتعافي على الأرض العراقية لم تتحقق، لأنها أكثر تعقيداً من إعلان النوايا، فمن جهةٍ هناك صراع خلف الأبواب حول من يخلف السيد على السيستاني، وهو يبلغ من العمر اليوم سبعاً وثمانين عاماً (من مواليد 4 أغسطس/ آب 1930). النظام الإيراني لا يرى في السيستاني حليفاً، حيث إنه من مؤيدي ما يعرف بـ«الحوزة الصامتة» التي ينحصر دورها في إرشاد أتباعها حول إدارة شؤونهم الحياتية، أي التي لا توافق على فكرة الولاية العامة للفقيه والتدخل في شؤون الدولة، خصوصاً في طبعتها الخمينية، لذلك فإن الدولة الإيرانية والقوى المتحالفة معها في العراق تفضل أن تأتي مرجعية بعد السيستاني قريبة إلى معسكرها، إن لم يكن بالمقدور أن تكون ملتصقة بها وخاضعة لتوجهاتها، على الأقل تؤيد الولاية السياسية، في المقابل هناك من بعض المجتهدين العرب الشيعة من يرى أن تستمر المرجعية الشيعية في العراق قريبة إلى «الصمت السياسي»، أي عدم التدخل في الشؤون السياسية للدولة بشكل مباشر، إلا وقت الحاجة، وبما يحقق المصالح المرسلة للدولة العراقية. ولاية الفقيه (الحوزة الناطقة) التي قال بها السيد آية الله الخميني ونفذت سياسياً في حياته، وامتدت إلى ولاية السيد علي خامنئي، هي جديدة على الفكر الشيعي، كثير من المراجع لا يتقيد بها، لأنها أسست على مصادر فقهية ضعيفة كما يرون، هي أخذت دفعتها التصاعدية المؤثرة بسبب استحواذ تلك المرجعية على السلطة بإيران في ظرف تاريخي محدد، وبسبب عوامل مؤقتة أدت إلى تحكمها في العمل السياسي بالدولة الإيرانية، ومن ثم خلق أدوات على الأرض لتأكيد تلك السلطة، والعمل على توسيعها، وسميت بالحوزة «الناطقة» أو «المشاركة». الولاية في الفقه الشيعي التقليدي موجودة، ولكنها ولاية على القُصر والمحتاجين والضعفاء في المجتمع، ويقوم الولي (المختار من الناس) برعاية تلك الفئات في المجتمع بما يتوفر له من مال من «المقلدين» له، أي الذين يتبعون في حياتهم تعليماته وفتاواه في الأمور التي يحتاجونها، وعادة ما تكون هناك علاقة طردية بين شعبية الولي بهذا المعنى، أو المرجع، وبين المال المتوفر له، فكونه ذا شعبية واسعة، يعني تدفق المال أكثر، وكون «حوزته غنية» يكثر مريدوه من جهة أخرى. ما زال الجدل قائماً في موضوع «الولاية العامة» كما استحدثها السيد الخميني، وهو جدل «صامت» أو غير علني في مدينة قم أحد كراسي التعليم في المذهب الشيعي، أما في النجف، الكرسي الأول للتعليم وربما في نظر البعض الأهم، فإن الجدل أكثر علانية. يرى المعارضون للولاية «الناطقة» أنها تحمل (فكرياً) فناءها بين يديها، فالولي الفقيه في الحكم هو شخص منزه، وهو مسؤول كسياسي عن رفاهية شعبه واستقراره وتقدمه، وهو بفعله ذلك «يعطل ظهور المهدي المنتظر» لأن من شروط ظهور الأخير، أن تصل الأمور في المجتمع إلى حال من التدهور والفساد والظلم، مكاناً لا قاع بعده! فكيف يمكن مواءمة «الحكم الدنيوي للفقيه» الذي يتوجب أن يقدم حياة أفضل لمريديه، مع شروط ظهور الإمام الغائب؟

الصراع في العراق ليس وقفاً على من يرث المرجعية المعتدلة، ولكنه صراع يمتد إلى الصراع الإثني، أي العرب والكرد، ويبدو من تطور الأحداث أن «المسألة» الكردية سوف تبقى قائمة وعائمة على السطح السياسي العراقي، يتراوح الاقتراب منها بين السياسي والعسكري، وبالتالي يمكن أن تفجر صراعاً قد يبدو بعده الصراع السابق مع «داعش» صراعاً منخفض التكلفة نسبياً، حيث كان العالم كله ضد «داعش»، ولكن القضية الكردية لها مناصرون في العالم! على مقلب آخر فإن جزءاً (ولا أقول كل) من الأسباب التي خلقت «داعش» وهيئت الأرض لظهورها، هي أخطاء سياسية ارتكبت من قبل أهل الحكم والسلطة في العراق بدرجات مختلفة بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وأيضاً التدخل غير السوي للنظام الإيراني وأجهزته في شؤون العراق، بالانحياز لمكون شعبي ضد آخر. جزء من تلك العوامل قد عولج من خلال حكومة حيدر العبادي، ولكن أجزاء مهمة ما زالت عالقة، وتحتاج إلى علاج جدي، إلا أن توزيع القوة في السلطة الحالية، وتعدد مراكز القوى والسلاح الميليشياوي، يقعد حكومة العبادي عن اتخاذ خطوات فعالة للحد من النفوذ الإيراني من جهة، أو معالجة الأسباب الحقيقية لنفور بعض المكونات العراقية من النظام الذي ترى أنه يقوم بتهميشها وعزل قياداتها عن العمل الميداني من جهة أخرى يصب زيتاً آخر على النار العراقية التي تختفي وتظهر، ذلك الزيت هو «غول الفساد» المستشري والضارب في جل زوايا الإدارة العامة والسياسية العراقية، وهو فساد يقلل من احتمال مخاطرة أي طرف مالي (حكومة أو شركات عالمية) في المساعدة لتعويم العراق اقتصادياً. القوى المتناقضة، وليس فقط المتنافسة، في العراق اليوم تتعايش مع بعضها على مضض، لأن مشروعاتها متعارضة، إلا أنه في وقت أو آخر سوف يحتم على فريق أن يدخل في صراع نشط ضد الفريق الآخر في مجتمع ما زال يفتقد بشدة إلى آلية حل الصراعات بشكل سلمي، ولو أن المجتمع الدولي يرغب في تعويم حكومة العبادي، والخروج بتوافق سياسي «معقول» بعد الانتخابات العراقية العامة المقبلة في شهر يونيو (حزيران) المقبل 2018 (إن حدثت)، إلا أن الاحتمالات مفتوحة على الكثير من المخاطر، وقد تفيض تلك المخاطر إلى الجوار العراقي أيضاً.

آخر الكلام:

لم تستطع القوى المختلفة في العراق المناصرة لإيران إيجاد «دولة دينية» على غرار ولاية الفقيه في إيران، كما رغبت طهران وما زالت، إلا أنه من الواضح أن القوى العراقية المستنيرة لم تستطع أيضاً إيجاد دولة وطنية مدنية عادلة حتى الآن!

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com