حين نطق الطيّار على علوّ بالحقيقة

حين نطق الطيّار على علوّ بالحقيقة

موسى برهومة

بينما كانت طائرته تحلق فوق المسجد الأقصى، وكانت قباب القدس تلتمع، على رغم الدمع الذي في أحداقها، قام الطيار الأردني بإبلاغ مسافريه بـ ”إننا“ نحلّق فوق «القدس الشريف عاصمة الدولة الفلسطينية»، متابعاً «ثم سنعبر سواحل فلسطين الواقعة على البحر الأبيض».

لم يتكلف الطيار يوسف الهملان الدعجة في حديثه، ولم يُلق خطاباً سياسياً تحريضياً، ولم يُبدِ في كلامه أيَّ افتعال أو انفعال، وإنما نطق بالحقائق التاريخيّة الدامغة، وقال إنّ «القدس الشريف عاصمة الدولة الفلسطينية»، موجّهاً لترامب صفعة مدوّية، رامياً بإعلان الإدارة الأميركية ووعودها في مكبّ الهراء!

ويُحمل «خطاب» الطيار الأردني على إحساس متأصل في النفوس بأنّ القدس لن تكون إلا فلسطينية وعربية كونية متعدّدة ومفتوحة لأصحاب الديانات، وحراس التسامح والمحبة في العالم.

كما يمكن حمل «الخطاب» على الرفض الشعبي العام، لدى العرب والمسلمين والأحرار بعامة، أن تكون القدس صفقة في المزايدات السياسية لهذا الطرف أو ذاك. أو ورقة في يد سيد البيت الأبيض ليداري بها سوءاته وفضائحه والتباس رؤيته.

بيْد أنّ أكثر ما يستبطنه إعلان الطيار الأردني لمسافريه على متن خطوط «الملكية الأردنية» أنّ الحق لا يسقط بالتقادم، أو في غمرة الإسراف في البطش وتغييب الحقائق، ولا تمحوه المعاهدات أو لحظات الذل والسقوط التي هي جزء من دورة الحضارات في فتوّتها وهوانها.

وما بين تاريخ القوة وقوة التاريخ، تتأرجح الأوطان والأزمان، بما يمكن أن يوحي أنّ الظلم سمة الحضارة. وهي استنتاج متعجّل وجارح، لا سيما لدى أولئك المحمولين على سلطة الأمل، مع أنّ هذه السلطة رمزية ووجدانية، ولا تحوز أي إجراءات مادية تنقلها، بالضرورة، إلى التحقق.

ولكن، لا بأس في ذلك، المهم أن تبقى شمعة الحق مضاءة في القلوب، ولو لم تسنح العواصف لها أن تبرح حيّزها، فالرموز مثل التعويذة، تحمي النفوس من الانشطار، وتترفق بالحكاية وتحميها من النسيان. وهذا حظ الراوة من المآسي.

القدس التي سال دم كثير على أبوابها، ويسيل الآن في طرق فلسطين وشوارعها دم طازج من أجلها، ليست مدينة عابرة في الوجدان العالمي. لقد صارت، بفعل ما تراكم من معانٍ وصور، عنواناً للكرامة والقداسة، وأضحى المس بهذين الأقنومين عدواناً على الذات، وكسراً للعنفوان. لذا كان الغضب من أجلها ساطعاً في كل مكان.

وما يثير الحفيظة، حد الاستياء الشديد، أنّ ترامب يدرك تلك الحقائق المتصلة برمزية القدس، ومع ذلك أراد أن يزدريها برعونة وتحدّ، وهو ما يؤجج التبرم من سلوك رجل يقود إمبراطورية عظمى يصح، إن مضى في تهوره، أن توصف بأنها «إمبراطورية الشر»، على ما يقوله خصومها الذين ضاعف ترامب أعدادهم، وجعلهم يتقلّبون بين نار الاقتراب منها، وجمر المعادين لها، بعد أن كانت مرشحة للعب دور «الحكم النزيه»، الذي يسوّي القضايا الشائكة بحسٍ حكيم وعادل ومتوازن.

ربما يذهب قائل إلى أنّ ثمة ردود فعل مبالغة في انفعالاتها، وأنّ القدس مثل سواها من مدن فلسطين السليبة، وأنّ نقل السفارة الأميركية إليها لا يعني شيئاً ما دامت فلسطين تحت حراب الاحتلال، لكنّ ذلك، إن افترضنا صحته، لا يسوغ التسليم بسلطة القهر المؤسَّسة على رغبة مضمرة في دفع الآخرين إلى الإذعان، وهو منطق يسلكه ترامب، بلا رأفة، كأنّ العالم بورصة، والروح الإنسانية أرقام تعلو وتهبط وفق مؤشرات المصلحة، كما يقول الواقعيون العقلانيون.

أما الحالمون، فيعتصمون بما فعله الطيار الأردني، ويتخذونه مثالاً للوجدان الشعبيّ الأصيل اليقظ الذي هو وجدان الأحرار في كل العالم، وهو بصمة الأرواح النبيلة التي جعلت فلسطين هوية كل المناضلين الشرفاء، فالدفاع عنها وعن القدس هو دفاع عن الحرية والحق والعدل والكرامة.

يقول هؤلاء: ما دام بيننا رجلٌ واحدٌ مثل الطيّار الأردني، فهذا يكفي أن نقول إنّ الدنيا بخير، وفلسطين بخير، والقدس في قلب الضمير الإنسانيّ والكونيّ.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com