مائة عام على الحرب الكبرى: دول لا تسعها البحار

مائة عام على الحرب الكبرى: دول لا تسعها البحار

سمير عطا الله

ظهور وسائل الاتصال الحديثة – السكك الحديد، وبداية إنشاء شبكة طرقات، وقبل كل شيء، التلغراف والصحافة المطبوعة – بدلاً من تحويل جميع البشر بوتقةً من الإخوة، فقد زاد من حدّة الخلافات، وأطلق صفّارة التغيير.

إذا سلّمنا بنظرية تولستوي عن التاريخ – والتي تعتبر أن الناس والدول ليسوا سوى دمى في دراما تديرها قوى كونية – يمكن إذن أن نعتبر الآن، بالنظر إلى الوراء، أن مأساة 1914 – 1918 كانت حتمية. خلال نصف قرن من الزمن، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، ازداد سكّان أوروبا بمعدّل الضعف تقريباً، وتضاعف الإنفاق على التسلّح خمس مرات.

وقد تصدّرت ألمانيا هذه النزعة، فقد وصل عدد سكّانها، عن طريق الزيادة الطبيعية والاختلاط، إلى سبعين مليون نسمة. وتفوقت على بريطانيا في إنتاج الحديد الخام في مطلع القرن العشرين؛ وبحلول عام 1914، أصبحت صادراتها إلى بريطانيا العظمى أكبر من وارداتها منها، وفي مختلف أنحاء العالم، كانت ألمانيا تمارس ضغوطاً شديدة على هيمنة لندن، المنيعة حتى تاريخه، على القطاعَين التجاري والمصرفي. وهكذا، ظهرت قوة كبرى جديدة صلبة وطموحة في قلب أوروبا بعد 1870.

كتب الكولونيل أي. إم. هاوس في رسالة من برلين إلى الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في مايو (أيار) 1914: «الوضع استثنائي. لقد جُنَّ جنون العسكريتارية».

كانت ألمانيا تخضع لحكم فيلهلم الثاني، القيصر الذي يثق بمستشاريه العسكريين أكثر من ثقته بدبلوماسييه، ويحبّ القوة، ويتحدَّث بكلام طنّان عنيف، وغطرسة، وغرور، وكبرياء. كان حاكماً غير متّزن، يصفع قيصر بلغاريا على مؤخرته «بحضور الحاشية بكاملها»، أو يكذب «بالفطرة كما تغرِّد العصافير»، أو يمكن أن يتلو «بين المقبّلات والمشاوي أسماء كل الملوك الأشوريين من دون توقّف وبالترتيب الصحيح». خلّفت ذراع القيصر المشلولة جراء إصابة تعرّض لها عند الولادة، أثراً جسدياً ونفسياً دائماً في حياته. وهكذا، ترك خطأ ارتكبته قابلة، بصمةً مروّعة في التاريخ.

وفي النمسا، كان الإمبراطور فرانز جوزيف، الثمانيني الذي كان يشبه الآلة، وينام على سرير حديدي نقّال، ويستحمّ بالمياه الباردة، وينهض للعمل عند الساعة الرابعة والنصف صباحاً، ويعدو على ظهر جواده في الحقول المفتوحة خلال مناورات الجيش، ويتحدّث جميع لغات إمبراطوريته – كان إذن سيّد العمل الدءوب والتفاصيل، إنما كان رجلاً قليل المشاعر ومن دون رؤية. وكانت إيطاليا التي خرجت حديثاً من انقساماتها وتحاول الحصول على حصّتها من الجبنة وتخضع لحكم الملك فيكتور إيمانويل الثالث، الذي لم يكن واثقاً من تاجه ولا من مكانته في التاريخ.

وكان نيكولاس الثاني في روسيا، آخر القياصرة، يُخفي خلف وقار اللحية، شخصية ضعيفة وخجولة ومتردِّدة؛ لقد قبل هذا الإمبراطور بوجود راهبٍ شرير في بلاطه يدعى راسبوتين، يُقال إنه حاول اغتصاب ابنته الصغرى.

إلى اللقاء..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com