مائة سنة على الحرب الكبرى: الغواصة والطائرة والرشاش – إرم نيوز‬‎

مائة سنة على الحرب الكبرى: الغواصة والطائرة والرشاش

مائة سنة على الحرب الكبرى: الغواصة والطائرة والرشاش

سمير عطا الله

كان المصرفي البولندي آي إس بلوك من القلائل الذين توقّعوا (قبل وقت طويل من وقوع الحرب) طبيعة النزاع وحجمه:

«… الحرب بين القوى الصناعية الكبرى هي انتحار متبادل.. تلقي المدافع وابلا من الحديد السميك.. الأرض مخضّبة بالدماء.. سيقع مزيد من المجازر.. مزيد من المجازر على نطاق مريع جدا.. سيتحصّن الجميع في خنادقهم في الحرب المقبلة. ستكون حرب خنادق كبرى. سيكون الرفش ضروريا للجندي بقدر بندقيته.. مستقبل الحرب «هو.. إفلاس الدول وانهيار التنظيم الاجتماعي بكامله».

تجمعت النزاعات والنزعات الإقليمية في أوروبا لكي تنفجر مرة واحدة في هول جماعي: شمولية الوسائل، شمولية الأهداف، شمولية المجهود الحربي. وبالتالي، شمولية المجازر والموت. برزت الغواصة والطائرة والمدفع الرشاش والدبابة والغازات السامة لكي تكتب فصولا جديدة في همجية الحروب وفظاعة التدمير.

قال الرئيس الأميركي وودرو ولسون إن أسباب الحرب الكبرى تتوغل عميقة في تربة التاريخ المظلمة. ومثل ما سبقها من حروب أقل اتساعا، انبثقت أيضا من طبيعة الإنسان وضعف قادته وغرورهم وشهواتهم.

كانت جذور أول حرب في القرن العشرين تضرب في المسرح الأوروبي خلال القرن التاسع عشر. ألمانيا تصعد كقوة كبرى بعد أجيال من الضعف، وفرنسا تتراجع بعدما أصبحت القوة السياسية الأولى وأرغمت على التنازل عن منطقة الالزاس – اللورين. وفي هذا المناخ تشكلت الأحلاف. وكانت عين ألمانيا على توسع الإمبراطورية البريطانية في البحار منذ قرون.

غالبا ما يولِّد الخوف والإحباط ذهانا لدى الرأي العام وتهديدا مضادا. قبل وقت طويل من عام 1914، كان هناك إنجليز، على غرار اللورد فيشر، أول لورد بحري، يعتبرون أنه من أجل سلامة بريطانيا، يجب تدمير الأسطول الألماني في عقر داره (تماما كما دمَّر نيلسون الأسطول الدنماركي في كوبنهاغن). أما الألمان من جهتهم فقد شعروا، بحسب ما جاء على لسان القيصر، بأنهم مطوّقون بالحراب وردّوا بما سُمّي موجة من «الشوفينية المزبدة». يجب إضافة عامل آخر: انحطاط أوروبا القديمة. كانت شعلة القومية والرغبة في تقرير المصير متأججة بقوة قبل وقت طويل من انطلاق المدافع عام 1914. في روسيا، تعرَّض حكم القيصر السلطوي مرارا وتكرارا للتحدي في ثورات، كانت معظمها اجتماعية. وحافظت تركيا، الفوضوية والسلطوية والتي كانت لا تزال تعيش في القرون الوسطى، على ظل أمجاد سلاطين الزمن الغابر، إنما ليس جوهرها. وكانت الإمبراطورية النمساوية – المجرية، التي كانت خليطا من الأعراق، تتماسك بواسطة دبابيس وترقيعات التسوية والتنازلات.

وقد تعرَّضت المملكة للهجمات من الأقليات، لا سيما الصرب، الذين كانت تجمعهم السلافية الصربية ويشجِّعهم الدعم الروسي، ويتطلعون، بالتالي، إلى صربيا الكبرى، ويرون فيها خلاصهم. في المقابل، فكرت فيينا في توسيع الإمبراطورية – على حساب صربيا. وقد أُلصقت بصربيا، التي مزقتها آنذاك، كما الآن، العداوات القومية الشديدة وأنهكتها النزاعات المتكرِّرة، التسمية المشؤومة «برميل بارود أوروبا».

وهكذا، بمعنى من المعاني، كانت القومية – القومية الألمانية التي حرّكها بسمارك، وأرضت كبرياء الشعوب الناطقة بالألمانية في كل مكان، والقومية السلافية التي تعود إلى زمن القياصرة – سببا أساسيا في هذا كلّه.

إلى اللقاء..

(الشرق الأوسط)

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com