مائة عام على الحرب الكبرى: شرارة سراييفو

مائة عام على الحرب الكبرى: شرارة سراييفو

سمير عطا الله

في مثل هذا اليوم، 28 يونيو (حزيران) 1914 وقع حادث سوف يؤدّي بعد شهر تماما إلى أول حرب كونية في التاريخ، سوف تُعرف، لهولها، باسم «الحرب الكبرى». كان ابن شقيق إمبراطور النمسا وولي عهده، الأرشيدوق فرديناند، يقوم مع زوجته صوفيا بزيارة رسمية إلى سراييفو. فيما سيارته المكشوفة تعبر جسر المدينة بسرعة هجم نحوه ناشط من دعاة استقلال صربيا وأطلق عليه النار. مرافقه الكونت فرانز فون هراك كان يقف على رف السيارة الخارجي. هكذا وصف إحدى أخطر لحظات التاريخ: «أمسكت بالأرشيدوق فبللتني الدماء النازفة منه. ورأيت الدوقة صوفيا تنحني فوق أرض السيارة فاعتقدت أنها انحنت لمساعدته. أما هو فنظر إلي وقال: لا شيء. لا شيء. الأمر ليس خطيرا. ثم تطلع إلى زوجته متوسلا: أرجوكِ يا صوفيا ألا تموتي. ابقي حيّة من أجل أطفالنا“.

اعتُقل القاتل الصربي كارفيو برنسيب وبعض رفاقه لكن وريث عرش الإمبراطورية النمساوية – المجرية وزوجته فارقا الحياة. وعندما وصل النبأ إلى الإمبراطور فرانز جوزيف في فيينا لم يبد الكثير من الحزن، فإن ابن شقيقه كان قد تزوج صوفيا من بين العوام خلافا للتقاليد الإمبراطورية. غير أنه شعر بالغضب في أي حال. تتالت منذ ذلك اليوم أحداث دبلوماسية سوف تؤدّي في 28 يوليو (تموز) إلى إعلان الحرب الكبرى. الحرب الكونية الأولى.

يقول المثل الروسي التهكّمي: «السلام الدائم يستمر فقط حتى العام المقبل». لم تكن تلك أولى الحروب. فعلى امتداد نحو 3457 عاما من التاريخ المدوّن، خيضت حروبٌ لأكثر من 3230 عاما. لم تتخللها سوى 227 عاما من السلام. لم تكن الحرب من 1914 إلى 1918 حالة شاذّة في التاريخ؛ لكنها أرست سابقة في نطاقها، وعنفها، وقبل كل شيء، شموليتها. لقد أطلقت عصر الحرب الشاملة، عصر الحرب العالمية – ولأول مرة بالمعنى الكامل للعبارة.

لقد سبقتها عهودٌ في التاريخ انطبعت بهمجية المقاتلين الدموية، وانعدام ضبط النفس، والوسائل اللامحدودة، والأهداف المطلقة. ظل الشعار «يجب تدمير قرطاجة» يُستخدَم للحشد والتعبئة طيلة أجيال؛ وقد تسبب بإبادة قرطاجات كثيرة إبادة كاملة.

قبل 1914 – 1918. لم تستنفد أي حرب هذا الكم الهائل من الموارد الشاملة لعدد كبير جدا من المقاتلين، ولم تتّسع رقعة أي حرب من قبل لتغطّي هذه المساحة الشاسعة من الكرة الأرضية. ولم يسبق أن شاركت كل هذه الدول في حرب واحدة. ولم تقع من قبل مجزرة بهذا الحجم الكبير والشامل وبهذه العشوائية. وكانت أيضا المرة الأولى التي يراهن فيها المشاركون على الكثير مقابل النزر اليسير.

إلى اللقاء..

”الشرق الأوسط“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com