اتجاهات

انتفاضة صنعاء

إميل أمين

إميل أمين

كاتب ومحلل سياسي ...خبير في الشؤون الدولية

+A -A
تاريخ النشر: 03 ديسمبر 2017 2:09 GMT

مشهد شوارع صنعاء العاصمة المنتفضة يشي بأن الكيل قد طفح فعلًا وقولًا.

إميل أمين

لم يكن لعاقل أن يتصور بقاء هذا الوضع اليمني طويلاً، لا سيما أنه بين طرفين غير متماثلين؛ أحدهما الحوثي الذي يأتمر بأوامر إيرانية، ويمضي وراء ذهنية عقائدية مطلقة تهدف فيما تهدف إلى ما هو أبعد كثيراً من مجرد حكم اليمن، وطرف آخر يمثله صالح المعروف بألاعيبه السياسية وتحالفاته المتغيرة والمتبدلة حفاظاً على مصالحه الشخصية.

نحو عامين عانى فيهما الشعب اليمني من مرارة التشرذم والانقلاب على الشرعية، وربما تكشف له في الأيام القليلة الماضية أن الحوثيين وبنوع خاص سوف يوردونه مورد التهلكة، وأنهم إذا كانوا يفعلون ذلك بالشريك والرفيق في التمرد على السلطة الشرعية، أي صالح، فإلى أي حد ومد يمكن أن يذهبوا لاحقاً في التضحية بمقدرات اليمن نفسه لصالح الأيادي الإيرانية، التي تريد ضرب الأمن والأمان لكل منطقة الخليج في مقتل؟

مشهد شوارع صنعاء العاصمة المنتفضة يشي بأن الكيل قد طفح فعلاً وقولاً، وأن المسألة تجاوزت نداءات صالح المتلفزة إلى إدراك ما جرى لليمن خلال العامين الماضيين، بعد أن تحول إلى مرتع للجماعات الإرهابية و«القاعدة» في مقدمتها، ما عرض اليمنيين للضربات الأميركية العشوائية التي سقط ضحيتها كثير من أبرياء الشعب الذي دفع أكلاف حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.

يمكن القطع وبكل تأكيد أن ما يجري في اليمن هو انقلاب في المعادلة السياسية التي سادت الأشهر الماضية، وخصوصاً بعد سيطرة قوات حزب المؤتمر على كثير من القطاعات الحيوية في صنعاء، ما بث روحاً من الصحوة في كل المحافظات والمديريات التي تنتشر فيها ميليشيات الحوثي، الأمر الذي يعني ولا شك وجود متغير حقيقي على الأرض كفيل بتغيير الصورة سيئة السمعة التي عرفت عن اليمن أخيراً.
خرج اليمنيون إلى الشوارع بعد أن أدركوا أن حياتهم على المحك، فلا غذاء ولا ماء ولا رواتب، وعليه كان السؤال الحاسم الذي أنهى التردد الطويل: «إلى أين يقود الحوثيون اليمن؟ وهل تجويع اليمنيين يصلح لأن يكون هدفاً لجماعة تدعي الثورية وتعلي من راية التحرر الوطني؟».
مضى الحوثيون وراء الأكاذيب الإيرانية طويلاً، ولم تقتصر تهديداتهم على اليمن، فحاولوا تعكير صفو المملكة بنوع أعم وأشمل، عبر صواريخ إيران التي أرسلت إليهم كي يختلط الحابل بالنابل، لولا حكمة القيادة السعودية التي لم ترد بالمثل حفاظاً على أرواح الشعب اليمني، وإن كانت أدارت بالشراكة مع الأشقاء في التحالف العربي لدعم الشرعية المعركة مع المنشقين سياسياً ودبلوماسياً، ولا نغالي إن قلنا استخباراتياً بطريقة بارعة للغاية، وهذا حصادها على الأرض.
أحسن القائمون على التحالف حين أصدروا بيانهم وبسرعة كبيرة يؤيدون ويدعمون الشعب اليمني المنتفض دون هوادة، واعتبار أنه كان ضحية لتغييب عقلي وذهني من قبل الميليشيات الحوثية، وقد أكدوا وقوف دول التحالف بكل قدراتها في كل المجالات مع مصالح الشعب اليمني، للحفاظ على أرضه وهويته ووحدته ونسيجه الاجتماعي، في إطار الأمن العربي والإقليمي والدولي.
هل انتهى المشهد اليمني عند هذا الحد؟
بالقطع لا يمكن أن يكون ذلك كذلك، فما جرى وجه لطمة قاسية لا هوادة فيها لإيران الداعم الأول، ولقطر الممر اللوجيستي لدعم كل أشكال الاضطرابات في المنطقة العربية وفي الخليج العربي بوجه التخصيص، وعليه فإن المرء يتوقع ردات فعل هوجاء سريعة وغير مدروسة من أتباع طهران في محاولة يائسة لإعادة الأوضاع في اليمن إلى سيرتها الأولى، أو في أضعف الإيمان اللجوء إلى الخيار الاستراتيجي «شمشون»، أي هدم المعبد على رأس الجميع، وعلى رؤوسهم أيضاً، إن لم يدركوا شهوات قلب الملالي الجالسين على حكم الولاية.
من هنا يتفهم المرء الحتمية التاريخية وأهمية اللحظة الآنية لكل أبناء اليمن للالتفاف حول بعضهم بعضاً على اختلاف مشاربهم ونزاعاتهم السياسية أو الآيديولوجية، فالوطن أكبر وأبقى، وما عداه متغير وقابل لفلسفة التفاوض، أما ضياع اليمن صاحب التاريخ الإنساني والحضاري الكبير وتحويله إلى دولة فاشلة، فهذا ما لا يجب أن يقبله اليمنيون.
ما يجري في اليمن وعلى يد أبنائه هو ثورة ضد حروب الوكالة التي أرادتها إيران للشعب اليمني الشقيق، وفرصة ذهبية لليمن ولليمنيين للعودة إلى محيطهم العروبي التاريخي والتقليدي، وإلى حيث يجب أن يكون كرصيد مضاف للأمة العربية في حاضرات أيامها، وفي مواجهة تدابير الشر.
يمكن القول إن حلم ارتفاع الرايات الإيرانية عالية في صنعاء قد سقط مرة وإلى الأبد، بفضل إدراك اليمنيين هويتهم الحقيقية البعيدة كل البعد عن أحلام الهيمنة والسيطرة الإيرانية.
يحتاج اليمن في الأيام القليلة المقبلة إلى زخم عربي – عربي غير محدود، ولعلها فرصة تاريخية للجامعة العربية أن تبادر إلى دور فاعل ومؤثر هناك بسرعة وحسم وحزم بما لا يترك أي جيوب تحدث انتكاسات تجاه ثورة اليمنيين، أو مسارب تتسلل من خلالها مؤامرات الإيرانيين.

الشرق الأوسط

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك