مقتلة العريش هل تدشّن مرحلة «داعش» المقبل؟ – إرم نيوز‬‎

مقتلة العريش هل تدشّن مرحلة «داعش» المقبل؟

مقتلة العريش هل تدشّن مرحلة «داعش» المقبل؟

عبدالوهاب بدرخان

ما فوق الحزن والألم والاستنكار. هكذا كانت المشاعر بعد مقتلة مسجد الروضة في العريش (سيناء). كانت البلدة تعتقد أنها بعيدة وبمأمن عن مربع التوتر والمواجهات مع الإرهاب، وكان الأهالي مسلّحين بمسالمتهم وصوفيتهم إلى حدٍّ الإحجام عن الاهتمام بتهديدات تنظيم «داعش» الذي يكفّرهم، وخصوصاً أن الأطواق الأمنية المحيطة بمعازل الإرهابيين وأوكارهم كانت ترجح ضعف المخاطر. لكن منطق الإرهاب برهن، للأسف، أنه الأقوى طالما أنه لا يعترف بأي حرمة للدم ولا للدين، ولا للأبرياء والمصلّين.

كثيرون رأوا في استهداف مسجد الروضة والمصلّين سابقةً أو نمطاً جديداً في إرهاب «داعش»، ولكنهم ينسون العديد من الهجمات في بعض المدن السعودية، سواء في الأحساء والدمّام والقطيف كما في عسير ونجران، وحتى المحاولة المجهضة في المدينة، فضلاً عن التفجير داخل مسجد الإمام الصادق في الكويت، وصولاً إلى النسف المتعمَّد لمسجد النوري في الموصل. كل تلك العمليات أو الخطط المعطّلة تثبت أن التنظيم لم يستثنِ بيوت العبادة، وأنه لا يوليها أي احترام أو خصوصية. وفيما تنقّل «داعش» بإجرامه بين المذاهب والطرق فإن تكفيره الجميع وتنكّره بتفسير ديني مخاتل لم يحجبا حقيقة أنه عبارة عن عصابات منعدمة الإنسانية تعتنق القتل للقتل ولا وسيلة للخلاص من شرّها سوى تصفيتها مهما طال الصراع معها.

مقتلة مسجد الروضة في العريش تُظهر أيضاً أن التطرّف ليس دائماً أعمى أو غبياً، بل على معرفة جيّدة بالحلقات الاجتماعية الضعيفة. ومن هنا جاءت تهديداته للصوفية، وأسبابها ثلاثة: أولها أنها تصفّي حساباً قديماً مع منهج الصوفيين وطرقهم. والثاني أنها تخاطب الحركات الإسلامية كافةً التي تشاطر «داعش» تكفيرهم وإنْ اكتفت هذه الحركات بتهميشهم ولم تبادر إلى الاقتصاص منهم. أما الثالث فهو أن تعايش الصوفية مع السلطة وعدم مواجهتها لها زادا منسوب «كفرها» في نظر التنظيم الإرهابي، لأن مسالمتها تضعها في سياق دعم السلطة لمواجهة الإرهاب. وكان «أمير مركز الحسبة» في التنظيم قال في تهديده الموثّق لصوفيي سيناء: «اعلموا أنكم عندنا مشركون كفار، وأن دماءكم عندنا مهدرة، ونقول لكم إننا لن نسمح بوجود زوايا لكم في ولاية سيناء». فتلك الزوايا مزعجة لـ«داعش» لأنها خارج سيطرته، ولذلك حلّل ضربها إسوة بالكنائس وقتل أتباعها كالأقباط، وهذا أيضاً ما لا ترى فيه الحركات الإسلاموية، من إخوانية أو سواها، أي غضاضة.

أراد التنظيم أن يُثبت بهذه المقتلة أنه لم يضعف بل لا يزال قوياً وقادراً، وأن نهاية «دولة الخلافة» المزعومة لا تعني نهايته. ولكنه ضعف فعلاً، كما أن منهجه خاسر أصلاً، ولا يستطيع مواجهة الدولة وإضعافها ولو بعشرات العمليات الإجرامية. ثم إن مهاجمة المصلّين الآمنين لا يمكن أن تعني قوةً بأي حال. وأكثر ما يمكن أن تعنيه أنهم وداعميهم ومموّليهم ومحرّضيهم وموفّري سيارات الدفع الرباعي لهم باتوا يرون «انتصارات» في هجوم على مصرف أو استفراد بسيارات خاصة أو قتل مدنيين. فلاشك أن هناك جهات، بالأحرى دولاً، ضالعة في تمكين هذا التنظيم والتخطيط له، كما تبيّن في سوريا والعراق وليبيا واليمن.

هاجم إرهابيو «داعش» مسجد الروضة أولاً بالصواريخ ثم بوابل من الرصاص في جريمة لا هدف لها سوى إسقاط أكبر عدد من الضحايا، وبالتالي إحداث صدمة لا جدوى منها وضجّة إعلامية يحتاجونها في لحظة أفول تنظيمهم ولكنها تضاعف ازدراء الناس لهم. ومن الطبيعي أن تضع الجهات الأمنية والسياسية في حسابها أن لدى «داعش» المنتهي أذرعاً يحرّكها وفروعاً لا تزال قادرة على الإيذاء. فكما أن نهاية «القاعدة» في أفغانستان أدّت إلى انتشاره فكرةً وأسلوب عمل، فإن توأمه الأسوأ «داعش» استغلّ ذلك الانتشار واستثمره، كما أن فرعَيه الأكبرَين في سيناء وليبيا يبدوان متّصلَين ومتعاونَين وغارفَين من ترسانة أسلحة متفلّتة لا تبخل عليهما حتى بصواريخ «سام» مضادة للطائرات وُجدت قطعٌ منها في حوزة إرهابيي الواحات.

تزامنت هذه المقتلة في العريش مع إعلان الأجهزة البريطانية أنها توشك أن تبدأ حملة أمنية لاستباق احتمالات مرحلة «ما بعد داعش»، وثمة مؤشّرات إلى إجراءات مماثلة في مختلف الدول الغربية. غير أن استباق الخطر بات يتطلّب أكثر من الخطط المحلية، فـ«التحالف الدولي» ساهم جزئياً في محاربة «داعش» في ليبيا ولم يضع خططاً لدرء الخطر عن الجوار الليبي، وليس واضحاً لماذا تجاهل سيناء، فمصر لا تحتاج إلى قوات لكنها طالبت دائماً بإجراءات ضد من يسلّح الإرهاب ويموّله.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com