خريطة طريق الملك عبدالله لمصر: الاقتصاد والعدل والحوار

خريطة طريق الملك عبدالله لمصر: الاقتصاد والعدل والحوار

جمال خاشقجي

«الاقتصاد، العدل والحوار»، هذا مختصر خريطة طريق أخرى قدمها العاهل السعودي الملك عبدالله لمصر في ثنايا خطاب تهنئة لرئيسها الجديد عبدالفتاح السيسي، الخطاب خطاب محب، والنصيحة نصيحة حكيم خبر الزمان وتقلباته، فهل لها من سبيل؟ الإعلام المصري انتقى منها ما يريد وأغفل ما لا يريد، ولعلهم يدخلون ضمن «بطانة السوء» التي حذّر خادم الحرمين أخاه السيسي منها فوصفها بأنها «تجمّل وجه الظلم القبيح، غير آبهة إلا بمصالحها الخاصة… هؤلاء هم أعوان الشيطان وجنده في الأرض»، والحق أن الإعلام المصري لم يكن محضر خير في مصر وإنما أداة تحريض وتفرقة للمجتمع، وليسوا وحدهم في ذلك، فثمة غيرهم ضمن تلك البطانة من أصحاب المصالح في مصر وغير مصر.

الاقتصاد، البند الأول في خريطة طريق الملك لمصر، ستفعل المملكة ما تستطيع، فهي دعت إلى مؤتمر مانحين لمصر، وقائمة هؤلاء ليست طويلة، فثمة دول عدة ومنظمات دولية تمنعها أحوال مصر الحالية من الالتزام بأية مساعدات، ولكن تحسّن المناخ السياسي بدعم من حضر قد يفتح الباب مستقبلاً لآخرين ينضمون إلى نادي مانحي مصر، وهذا يتحقق بتطبيق صادق للبندين الثانيين، العدل والحوار، فتحت العدل يأتي إصلاح القضاء، وإطلاق سراح الأبرياء، فلا يعقل أن يكون كل الآلاف الذين اعتقلوا بعد 3 تموز (يوليو) 2013 مجرمين، والعدل يعني أيضاً الأخذ على أيدي طبقة المنتفعين، وأصحاب المزايا لصالح الفقراء والمحرومين والعاطلين الذين كانوا وقود الغضب الذي انفجر في 25 يناير وما بعدها، أما الحوار فهو مع من يختلف معهم الرئيس الجديد، وليس مع من يؤيده، لذلك جعل الحوار، وهذا آلياته في بلد يفترض أن يكون ديموقراطياً كمصر، من خلال انتخابات برلمانية حرة، تعطي الحق للجميع ليس فقط في المشاركة وإنما الفوز إن استحقوا الفوز، والاستحقاق وفق أصوات الناخبين وليس رغبات الحاكمين، ثم يكون معهم وبينهم الحوار.

ذهب بعض المعلقين للقول إن دعوة خادم الحرمين إلى مؤتمر مانحين ينهض بالاقتصاد المصري إنما هي «خطة مارشال» جديدة، في إشارة إلى ما فعلته الولايات المتحدة في أوروبا بعد الحرب العظمى، وهي خطة آتت ثمارها خلال أقل من عقد هناك، فهل يمكن أن يتكرر هذا هنا؟ البداية أن نفهم فكرة مشروع مارشال، فهي ليست مجرد مساعدات تدفع لاقتصاد يتداعى. إنها أكبر من ذلك، إنها مشروع وحدوي، أزال الحدود والموانع الاقتصادية بين الجيران، وألغى عداوات الماضي وصراعات التاريخ سياسة وفكراً وديناً، دعم المبادرات الحرة الجديدة، ودفع الحكومات الأوروبية للمرة الأولى إلى الشفافية الاقتصادية بعدما كانت أرقام الإنتاج والاستهلاك أسراراً عسكرية، بل دفعهم مشروع مارشال إلى اقتصاد مشترك يقوم على التكامل، إنتاجاً واستهلاكاً وخدمات، ودمج اقتصاد أوروبا واليابان المنهزمتين، بالولايات المتحدة المنتصرة واليابان الخاسرة فكانت نهضة مشتركة للجميع، ومشروعاً لجمع وتعزيز قوى «الاعتدال» الممثلة هناك بالرأسمالية والديموقراطية واقتصاد السوق، في مواجهة قوى «التطرف الثورية» المدعومة من الاتحاد السوفياتي الشيوعي، واحتوت القوى الثورية الأوروبية التي قادت المقاومة ضد الاحتلال والباحثة عن دور، واستعادت البورجوازية الأوروبية في ألمانيا وفرنسا تحديداً (الفلول) بعدما ضلت وتعاطفت أو شاركت أو سكتت على آثام النازية.

ثمة تشابه واختلاف، ولكن استبدل اسماً باسم، وستبدو الصورة واضحة، فإذا كان «الإخوان» والاشتراكيون الثوريون وقوى الشباب المصري الغاضب هم «التطرف»، فإن دواءهم وفق خريطة طريق الملك في «إصلاح الاقتصاد والعدل والحوار». الاختلاف أيضاً كبير جداً بيننا وبين غرب ما بعد الحرب العظمى، فالديموقراطية البرلمانية كانت القاعدة التي يحتكم لها الجميع هناك، ولكننا لا نزال غير متفقين على مسطرة واحدة للحكم، ما يجعل التكامل بيننا صعباً، ولكنْ ثمة أمل في أن تؤدي نهضة اقتصادية إلى ذلك، نجاحها يعجّل بالديموقراطية، وفشلها يعجّل بالثورة والفوضى، خلاقة كانت أم هدامة، المهم أن لا أحد يريد الفوضى.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com