صنعاء ونقض العهود ورفض الشراكة

صنعاء ونقض العهود ورفض الشراكة

لواء/ قاسم عبدالرب العفيف

تاريخ صنعاء مليء بالحوادث والعبر التي تشير إلى أنه مهما تداول عليها من حكام لا تلتزم بالعهود والمواثيق والاتفاقات والغدر سمة من سماتها الأصيلة وإليكم نماذج من ذلك.

بعد هزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى، وبعدما تقرر الانسحاب من اليمن، سلمت السلطة للإمام يحيى حميد الدين وكانت مناطق مثل إب وتعز وأماكن أخرى تحكم بشكل مباشر من قبل الأتراك، وكان يمكن أن يشكلوا حكمًا ذاتيًا، إلا أن نصيحة الأتراك بأن يقدموا الولاء لحاكم صنعاء الجديد تحت مسمى المملكه المتوكلة الهاشمية وفعلا قام مشائخ تعز وإب بالذهاب إلى صنعاء لتقديم الولاء، وحصلوا في صنعاء على أرقى أنواع الاستقبال والحفاوة وعادوا إلى بلادهم.

ولكن لم يمر وقت كبير من تقديم الولاء والطاعة حتى فوجئوا بمجيىء جيش الإمام بقيادة علي عبدالله بن الوزير إلى تعز، وأول عمل قام به هو التنكيل بهؤلاء المشائخ الذين أدوا الولاء والطاعة لإمام صنعاء الزيدي، بتلفيق التهم وسجنهم وسحبهم إلى صنعاء مشيا على الأقدام مقيدي الأيدي والأرجل بالسلاسل الحديدية وتم توزيعهم على سجون الإمام وكذلك حدث ذلك لقبائل الزرانيق في تهامة في وقت لاحق، حيث تم سحق مشائخهم حتى الموت وهذا ديدن الأنظمة القائمة في صنعاء مع من يقوم بالمعارضة لنظام حكمهم في فترة حكم الأئمة.

يتكرر المشهد في زمن الثورة والجمهورية التي أسقطت نظام الائمة، صنعاء عندما تكون في وضع سيىء أوعلى وشك الانهيار تعقد الصفقات والاتفاقات ونشاهدها تقدم التنازلات لمن تفاوضهم، وهي لم تفاوض إلا وهي مضطرة وغير قادرة على الحسم، فتلجأ إلى استخدام هذه الوسيله في فتح الحوار مع الخصوم وإغرائهم في تقديم التنازلات والتي تتناغم مع طموح المحاورين الآخرين.

لكن مجرد أن تقع الفريسة بالشبكة يتم الانقضاض عليها دون رحمة، ولقد حدث ذلك مع أبطال السبعين يومًا، وأيضا حدث مع من تم التفاوض معهم من الملكيين بما عرف بالمصالحة الوطنية، و بمجرد أن دخلوا الشبك وبعد شهر العسل تم تمزيقهم إربًا إربًا ولم يتبق منهم إلا من خضع لشروط صنعاء.

ومع الجنوب حدثت قصة طويلة مؤلمة حاول البعض منهم عدم الاعتراف بالدولة الوليدة وادعى بأن الجنوب فرع لابد أن يعود إلى الأصل، وكانوا في تلك الفترة في حصار مطبق على عاصمتهم صنعاء من قبل الملكيين، ولكن كان رأي الرئيس الإيراني الذي قال لهم إن وجود دولة جنوبية هو ضمان للجمهورية العربية اليمنية.

ولكن بعد 3 سنوات تم غزو الجنوب الأول في العام 72 م بقرار من مجلس الشورى الذي كان يترأسه الشيخ عبدالله الأحمر وانهزموا شر هزيمة وتشكلت لجان تناقش أسس الوحدة ولكن كان الغزو الثاني في العام 79 م وتعرضوا لهزيمة أكبر من الأولى، إلا أن هذه المرة تم تشكيل لجنة دستورية وعملت على إيجاد دستور يجمع بين الجنوب والشمال تم وضعه بالإدراج وشاءت الظروف أن يتم التوحد بين الجنوب والشمال.

ولاحظنا أن الشماليين في اللجان الوحدوية في أواخر عام 89 م يوافقون دون نقاش على ما يطرحه الجنوبيون عند مناقشة القوانين، بينما كانت اللجان تقضي سنوات من أجل الاتفاق حول جملة في الموضوع المناقش طبعًا، وكان الأمر لا يعدوا تمام استدراج الحنوبيين وإعطائهم كل ما يريدونه على الورق وحينما يصلوا صنعاء لكل حادث حديث، ولما تم التوقيع على إعلان الوحدة ووصول القيادات الجنوبية إلى صنعاء كان في الشهر الأول الترحيب الحار والعزائم والولائم التي لاتعد ولا تحصى للجنوبيين.

و بعد مرور شهر العسل بدأت الاغتيالات وبدأ النكوص بشأن كل ما اتفق عليه،  فتحولت الوحدة إلى كابوس وتوزعت الأدوار فيما بينهم، وتحولت الوحدة إلى ضم من يريد ان يسيرصوب هذ التوجه وسيحصل على الفتات والذي لا يوافق فالمصير معروف، وتم تفتيت المجموعة التي طلعت مع الوحدة، كما تم الانقلاب على وثيقة العهد والاتفاق قبل أن يجف حبرها وتوجت باجتياح الجنوب في حرب شامله صيف عام 94 م وتمت السيطرة على الجنوب واحتلاله كاملاً وتم حكمه عسكريا وأمنيا على أساس نظام الجمهورية العربية اليمنية وبهذا تم إسقاط الوحدة السياسية بين الكيانين الحنوبي والشمالي

نظام صنعاء مبني أساسا على الحروب والأزمات لأن ذلك هو الاستثمار الأكبر في التحكم بميزانية الدولة في بداية أي حرب تفتح أبواب البنك المركزي للصرف دون حساب أو رقيب وتعبىء الجيوب للقادة والمشائخ ويتم تجنيد عشرات الآلاف في القوات وتصرف المعاشات للقتلى المهم الحرب يعني امتلاك الثروة على حساب التنمية الاقتصادية وتحميل ميزانية الدولة أعباء كبيرة.

وآخرذلك  حروب صعدة والمعارك التي تمت في صنعاء بين فريقي السلطة بعد اندلاع الثورة وعلى أثرها تم تجنيد عشرات الآلاف لصالح الطرفين المتحاربين قوات الحرس وقوات الفرقة الأولى مدرع إضافة إلى المصاريف الأخرى التي تحملها البنك المركزي وكل النتائج تؤول إلى جيوب المتنفذين والدوله تتحمل الأعباء المالية والوظيفية على حساب التنمية الاقتصادية وغيرها

بعد حوار دام أكثر من سنة تحت إشراف ورعاية إقليمية ودولية وكادت الأمور تصل إلى نتائج تلبي طموح المتحاورين ولكن في اللحظات الأخيرة جرى الانقلاب على كل الاتفاقات بتحالف جزء من المتحاورين يمثلون المخلوع صالح والحوثيين ضد البقية من المتحاورين وبدأت الحرب شمالا وجنوبا بهدف اختطاف الدولة وإعادة الأمور إلى نقطة ما قبل الصفر ولازالت الحرب مستمرة لأن الانقلابيين اتكأوا على حليف إقليمي مما استدعى  تدخل دول التحالف العربي بطلب من الحكومة الشرعية في اليمن ولكن لم يمر وقت حتى دب الخلاف بين الانقلابيين بهدف الاستحواذ على كامل السلطه والثروة ولهذا أثبتت التجربة أن صنعاء لا تقبل الشراكة ولا تقبل القسمة .

اليوم النتائج الكارثية للحرب التي شنها الانقلابيون على الإجماع الوطني والشرعية الدستورية واستنزافها للموارد المالية من العملات الصعبة في البنك المركزي لم يقف الأمر عند هذا الحد بل ستكلف الدولة أعباء كبيرة سواء كانت مادية أو على الوظيفة العامة بتجنيد عشرات الآلاف في صفوف المليشيات وغيرها من الأعباء الأخرى التي ستظهر بعد وقف الحرب وأتوقع أن يصل قوام العساكر الذي تم ضمهم كمقاتلين إضافة إلى ما كان موجودًا من جيوش ومليشيات من كل الأطراف المتحاربة الى مليون جندي ومثل هذا العدد من التوظيفات الجديدة المدنية والتي جميعها خارج إطار القانون.

باختصار سنحتاج إلى جمع كل ثرواتنا مع ثروات الأجيال القادمة وتوجّه إلى تغطية المعاشات لتلك الجيوش التي تمخضت عن  حروب الانظمة المتتالية لصنعاء حتى اليوم

وهذ وجه واحد من الصور القاتمة للنتائج الكارثية للحروب التي تقودها صنعاء وأنظمتها المتعاقبة والتي ستحاول فرضه على الجميع في أي نقاشات لتسويات قادمة ونلاحظ ذلك من الإجراءات التي يقوم بها الانقلابيون في صنعاء وأيضا الترتيبات التي تجريها الشرعية كطرف مواز من إجراءات تلتقيان في نهاية الطريق إلى استعادة الدولة.

ويتم سحب الجنوب بطرق ملتوية من خلال إعادة إحكام السيطرة عليه عبر القرارات الرئاسية والإدارية وادارة العمل السياسي والإداري بعقلية صنعاء التي عفى عليها الزمن وبالذات فيما يخص التعامل مع قضايا الجنوب واستحقاقاته القادمة، متجاهلة الحرب الأخيره التي شنها الانقلابيون على الجنوب وكذا تتجاهل دور المقاومة الجنوبية وشعب الجنوب في هزيمتهم وذهبت تُمارس العبث بالأمن والسكينة وتعطيل الخدمات الأساسية وتشجيع الانفلات الأمني وتأجيج الشارع ضد بعضه البعض وحجب مرتبات الموظفين والمتقاعدين وخلق وإشاعة الفوضى وإحداث الصدمة الكبرى لشعب الجنوب ومقاومته وبالتالي يسهل خطمه وإعادته الى حضيرة صنعاء

أعتقد أن كلا الطرفين الشرعية والانقلابيين يمارس نقض العهود وبينما انقلب الانقلابيون  على الإجماع الوطني وقلبوا الطاولة على الجميع بمن في ذلك الرعاة للمبادرة الخليجية بإحضار قوى إقليمية بهدف إذكاء الصراع الإقليمي وتهديد الأمن القومي العربي، وأما الشرعية فقد تلكأت في تنفيذ البنود التي تخص الجنوب والتي وافق عليها مؤتمر الحوار في صنعاء وتتلخص في عشرين نقطة ولم تنفذ منها شيىء إضافة إلى أن أداءها متدني المستوى في كافة المستويات العسكرية والمدنية لم تستطع أن تحقق أي اختراق عسكري في المحافظات الشمالية وفشلت في أداء مهامها العادية تجاه مواطنيها ولم تستطع أن تساعد المحافظات الجنوبية المحررة للنهوض بل على العكس كانت عامل تثبيط وتعطيل وكان الهدف من ذلك واضحًا وهو محاولة الاستيلاء على النصر الذي تحقق في الجنوب وأخذه من أهله، لكي تستطيع أن توظفه في أية مفاوضات قادمة مع الانقلابيين في صنعاء لهدفين إعادة الجنوب إلى نظام ما قبل الاجتياح الأخير والهدف الثاني تمكينها من حيازة موقع لها في الترتيب القادم باسم الجنوب.

الوحدة انتهت ولم يعد لها أي كيان إلا في خيال القوى المتنفذه التي هيمنت على السلطة والثروة خلال أكثر من عقدين من الزمن لم يعد لمن أقام الوحدة  وجود فالمؤتمر الشعبي العام تلاشى وأيضا الحرب الاشتراكي اضمحل وأي قوة أخرى موجودة مثل الحوثيين أو الإخوان المسلمين ليس لها أي دور يذكر في توحيد اليمن وهم لا يملكون أية أسس من مقومات الوحدة السياسية للمجتمع اليمني فالحوثيون طائفيون، لا يملكون  روؤى سياسية وطنية ولا مجتمعية وهي طائفة لا تصلح لكي تتصدر طموحات الشعب في الشمال والجنوب وتقف على النقيض، أما حزب الإخوان المسلمين فقد وقف منذ الوهلة من تشكيلته على النقيض من الوحدة وعمل جاهدًا مستخدمًا الدين الإسلامي لرفض الوحدة وهو صاحب الفتوى الشهيرة التي أباحت قتل الجنوبيين ومصادرة ممتلكاتهم

من التاريخ لابد من أخذ العبر ولا يمكن أن تتكرر محادثات قادمة  تستحق أن تعيد الأمور إلى نصابها بين الشمال والجنوب لكي ترسي أسسًا متينة للأمن والاستقرار في الإقليم ولن يتم إلا بضمان إقليمي ودولي

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com