توبيخ رئاسي!

توبيخ رئاسي!

سليمان جودة

وبّخ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وزير الصحة فى حكومته توم برايس، لأنه استقل طائرة حكومية فى الذهاب إلى رحلة خاصة زار خلالها جزيرة سياحية، وطاف على عدة عقارات يملكها!

كانت وجهة نظر ترامب أن الطائرة تملكها الحكومة، لا الوزير، وبما أنها مملوكة للحكومة، فهى مُشتراة بفلوس مأخوذة من جيب كل دافع ضريبة في الولايات المتحدة، ولأنها كذلك، فلا يجوز بأي حال استخدامها إلا في أمور تعود بالنفع على دافع الضريبة نفسه!

وطبيعى أن تكون زيارة الوزير برايس للجزيرة السياحية، أو مروره على عقاراته، خارج أي نفع يتحقق لأي دافع ضرائب فى البلاد!

ولم يتوقف الأمر من جانب الرئيس عند حدود التوبيخ الرئاسي، الذي أغرق به وزيره المخالف للقانون، ولكنه قال للذين سألوه في الأمر من الإعلاميين، إنه كرئيس يفكر طويلاً فيما حدث على يد أحد وزرائه، لأنه لا يقبله في حق دافعي الضرائب، مهما كانت المبررات وراءه!

ومن إجابته استنتج الذين سألوه أنه يتوجه بجد، إلى إقالة الوزير الذي استهان بدافع الضرائب، ولم يفرق وهو يؤدي عمله، بين ماله الخاص الذي يستطيع أن يتصرف فيه كما يحب، وبين المال العام الذي لا يملك أن يتصرف فى سنت واحد منه، إلا وفق صحيح القانون!

وعادوا يسألون ترامب ففهموا من إجابته أنه يراوغ، ويتهرب من الكشف عن حقيقة نواياه تجاه الوزير، ولكنه بدا في الوقت نفسه، في غاية الضيق من سلوك واحد من وزرائه، وبدا أنه يرى أن إجراءً من نوع ما، لابد من اتخاذه لعل الذين نسوا ما للمال العام من قدسية، يذكرون ما لا يجوز أن ينسوه!

ولم يكن أمام برايس إلا أن يتقدم باستقالته، ولا كان أمام ترامب إلا أن يقبلها، رغم أن الوزير عرض أن يعيد تكلفة استخدام الطائرة إلى الحكومة!

والقصة على بعضها تقول لك إن العواصم من نوعية واشنطن لم تتطور إلى ما وصلت إليه من فراغ، ولاهي قد نامت ثم استيقظت لتجد نفسها على هذه المكانة بين العواصم.. لم يحدث ولن يحدث.. ونقطة البداية لابد أنها هذه التفرقة الحاسمة بين ما يخص الدولة، وهو مال عام «لا هزار فيه»، وبين ما يخص الفرد، وهو خاص بصاحبه!

وعندما استقال برايس، فإنه واجه ما يشبه التجريس عندنا، لأنه أصبح في نظر الرأي العام متهماً بالاعتداء على مال عام يملكه دافع الضريبة وحده!.. والذين زاروا الولايات المتحدة، أو قرأوا شيئاً عنها، يعرفون إلى أي حد لا تتسامح السلطة هناك، ولا المجتمع كله من ورائها، في أي شأن له علاقة بالمال العام، مهما تضاءل حجمه!

والقصة مرة أخرى هي ثقافة عامة، ينشأ عليها المجتمع بأركانه كافة، ثم تنمو معه، إلى أن يصل إلى درجة يبادر فيها كل دافع ضرائب إلى أداء ما عليه، طواعيةً، وهو على يقين بأن كل دولار يدفعه سيعود عليه وعلى مجتمعه، بمستوى رفيع من الخدمات العامة!

التوبيخ الرئاسي من ترامب للوزير له فلسفة تتأسس عليها الدول!

المصري اليوم

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع