الأسد يتقدم في الداخل … الائتلاف يتقدم في الخارج

الأسد يتقدم في الداخل … الائتلاف يتقدم في الخارج

عريب الرنتاوي

بينما كان وفد الائتلاف يقوم بزيارة غير مسبوقة للولايات المتحدة، يلتقي خلالها بالرئيس أوباما وكبار أركان الإدارة والكونغرس وغيرهما، كانت القوات السورية وحلفاؤها، في ذروة النشوة باستعادة حمص القديمة، وبسط سيطرة النظام على معظم المحافظة الاستراتيجية، باستثناء جيب “حي الوعر”، وبعض الجيوب في الريف مثل الرستن وتلبيسة.

وفيما كان وفد الائتلاف يقوم بزيارة غير مسبوقة لباريس، يلتقي خلالها بسيّد الإليزيه، ويتسلم مقر السفارة السورية في باريس، كانت قوات النظام السوري تسجل نجاحاً واضحاً على جبهتين: الشمالية، بقرع أبواب سجن حلب المحاصر منذ أكثر من عام ونصف العام، في عملية التفافية، هدفها عزل ثاني المدن السورية عن أريافها … والجنوبية، بشن هجوم مباغت في درعا وجوارها، وبصورة تستهدف لجم اندفاعة “النصرة” والكتائب المسلحة المعارضة.

هي مفارقة على أية حال … النظام يتقدم على الأرض، ويستعيد زمام المبادرة على أكثر من جبهة ومحور، فيما المعارضة تتقدم سياسياً في الخارج، وتنجح في رفع مستوى تمثيلها، وتستحوذ على دعم مالي وسياسي وتسليحي أعلى من أي وقت مضى، وسط أنباء عن تجديد تحرك بعض الدول العربية الداعمة والحاضنة للمعارضة، من أجل تسليم مقعد سوريا في الجامعة العربية للائتلاف، وهو أمر ما زالت دونه عقبات وعوائق عديدة.

منطق الأمور يقول: أن المعارضة بحاجة للدعم العسكري أكثر من أي شيء آخر، طالما أن النظام يخترق جبهاتها وخنادقها، ويسقط مناطق سيطرتها ونفوذها تباعاً، ويتغلل على محاور استراتيجية كما لم يفعل من قبل … لكن الغرب، القلق من تنامي دور ونفوذ الجماعات “الجهادية”، ما زال على تردده في تقديم السلاح “الكاسر للتوازن” للمعارضة، وهو يجهد في تمييز “المعتدل” منها عن الإرهابي، وما بينها من تلاوين وأطياف تقترب أو تبتعد عن هذين الحدين، ولكن من دون جدوى كذلك.

لذا رأينا إدارة أوباما أولاً، وإدارة هولاند استتباعا، تستعيض عن تقديم العسكري، بتقديم الدعم المعنوي والسياسي والمالي، وبدرجة أقل، تقديم الأسلحة غير الكاسرة للتوازن، وستلتحق دول غربية عدة بهذا المسار قريباً … الأمر الذي يعكس “الحالة الصعبة” التي وصل إلى ما يسمى بالمجتمع الدولي في موقفه حيال الأزمة السورية … فلا هو مستريح لمعارضة مفتتة وضعيفة، تكاد تضيع بين أقدام النظام والجهاديين، ولا هو في وضعية تسمح له بالتعامل مع نظام الأسد، ورفع الراية البيضاء أمام المحور الداعم له، سيما وأن أصوات الحرب الأهلية في أوكرانيا، ما زالت تُسمع مدوّيةً في جميع العواصم الغربية.

أصدقاء النظام وحلفاؤه، يرون في تردد الغرب وإحجامه عن تدعيم المعارضة بسلاح نوعي، دلالة على “انتصار” محورهم، وهم يعدون الساعات الأخيرة، لـ “سقوط الجدران” التي باعدت ما بين دمشق والعواصم الغربية، على وقع ارتفاع منسوب الغضب و”الأدرينالين” جراء تفاقم الخطر الإرهابي … تماماً مثلما فعل خصومهم، الذي قضوا أكثر من عامين في عد الساعات الأخيرة لحكم الأسد، من دون جدوى.

لكن الحقيقة تقول، أن للغرب أسلحة أخرى في المواجهة مع النظام وحلفائه، لن يتوانى عن استخدامها لإجبار الأسد على “تغيير حساباته”، وجلبه “مخفوراً” إلى موائد التفاوض على نقل السلطة …. منها إبقاء جذوة الحياة مشتعلة في مكاتب الائتلاف، حتى وإن كان العاملون فيها لا يمثلون أحداً غير أنفسهم … ومنها رفع المكانة السياسية والدبلوماسية له، ليكون منافساً للأسد، إن لم يكن على الأرض، ففي الفضاء الدبلوماسي على أقل تقدير، وهذا أضعف الإيمان … ومنها استمرار التلويح بورقة الكيماوي ومحكمة الجنايات الدولية، وهو سلاح حاد، لا يمكن التقليل من شأنه، رغم أن موسكو ستظل واقفة بالمرصاد له، كما تشير كافة الدلائل حتى الآن.

سيمضي النظام في تحقيق المزيد من التقدم والاختراقات والمصالحات والتسويات على الأرض، باسطاً نفوذه على مناطق أوسع من سوريا، وبالتحديد مناطق الكثافة السكانية … وستمضي المعارضات في حروبها الداخلية التي تكاد تكون أكثر حدة وكلفة من حربها مع النظام … وسيمضي المجتمع الدولي في تدعيم الائتلاف سياسياً ودبلوماسياً ومالياً، وبدرجة أقل تسليحياً … فالمعركة في سوريا وعليها، ما زالت طويلة، بل وطويلة جداً … وسيظل نفق الأزمة السورية، بلا ضوءٍ في نهايته، ما لم يلتئم شمل التوافق الدولي (الروسي – الأمريكي) متخطياً ذيوله الأوكرانية، وما لم يتصاعد الدخان الأبيض من “مدخنة” التقارب السعودي – الإيراني، وأحسب أن الأمرين ليسا متاحين في المدى المنظور والمباشر.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com