د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامدي

لا صحة لحد الردة (1)‎‎

بينت في مقالي السابق بعنوان "الحرية في الإسلام" أن المتقرر في نصوص القرآن المحكمة حرية الإنسان في إيمانه، وأنه لا إكراه في الدين، وقد عُورض هذا بأن قتل المرتد ردة مجردة مقررة في كتب الفقه الإسلامي، والجواب عن ذلك أن ذلك اجتهاد ولم يثبت في الردة المجردة نص صريح محكم صحيح لا طعن فيه.. وسأبين هنا الرد على شبهات هذا الاعتراض، وذلك فيما يلي:

أولًا: احتجوا بما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة".

فقالوا هذا خبر في الصحيحين ينص على قتل المرتد.

قلت: هذا الخبر غير صحيح، وغير مسلّم بأنه صريح لما يلي:

أولًا: إسناده ضعيف، لأن مداره على الأعمش، وهو مدلّس وقد رواه بالعنعنة فلا يقبل منه ما عنعنه.

 قال ابن المبارك: إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش.

وقال الشاذ كوني: من أراد التديّن بالحديث، فلا يأخذ عن الأعمش ولا عن قتادة، إلا ما قالا: سمعناه.

ونقل ابن عبد البر: القول بعدم قبول تدليس الأعمش.

ثانيًا: إن لفظة: (التارك للجماعة..) تشعر بوقوع ما هو أكثر من الردة المجردة كالحرابة ونحوها، فلا يسلّم بأن هذا الحديث نص محكم في قتل المرتد ردة مجردة.

ثالثًا: إن متن الحديث فيه نكارة، فهو يتعارض مع قول الله: (لا إكراه في الدين)، والآيات المشار إليها في المقال السابق الدالة على أنه "لا إكراه في الدين"، وأن هذا المعنى محكم، لم يفرّق فيه بين كافر لم يدخل الإسلام وبين من دخل الإسلام ثم ارتد عنه ردة مجردة لا اعتداء فيها ولا خروج على الحاكم، فلا يؤخذ بحديث يعارض نصوص القرآن المحكمة ولو صح سنده، فكيف إذا كان ضعيف الاسناد، وهذا الحديث ضعيف الإسناد، وفي ألفاظه ما يعكر على القول بأنه نص محكم في قتل المرتد ردة مجردة.

رابعًا: إن الله ذكر الردة في آيات كثيرة ولم يشر فيها إلى عقاب، وإنما أشار فيها لإحباط عمل فاعلها وسوء مصيره في الآخرة، بل تضمنت قبول التوبة لمن تاب منها وأصلح، كما في قوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم).

وقوله تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

وقوله تعالى في هذه الآية: (لن تقبل توبتهم) عنى به الذين ازدادوا كفرًا وتمادوا ولم يتوبوا من قريب، ويبين ذلك قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا).

وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)، وقوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم)، وقوله تعالى: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين).

وقوله تعالى: (وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا)، وقوله تعالى: (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لَعلهم يرجعون).

فهذه دعوة لردة جماعية في المدينة ودولة الإسلام قائمة ورسول الله حاكمها، وكان يقصد بها فتنة المؤمنين عن دينهم وصدهم عنه، ومع ذلك لم يذكر عن الله ورسوله عقاب لهم أو تهديد بعقاب في الدنيا، وقد تضمنت الإشارة لوقوع الردة صراحة، وهذا يؤكد نكارة متن هذا الحديث وكل حديث نحوه، ولو صح سنده لأنه لا يمكن أن يعارض كتاب الله ما صح عن رسوله.

ثانيًا: احتجوا بما أخرجه البخاري في صحيحه عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله قال: "من بدل دينه فاقتلوه".

وبما أخرجه البخاري عن عكرمة قال: "أتي عليٌ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله: لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله: "من بدل دينه فاقتلوه".

فقالوا هذا نص صريح في قتل المرتد، وقد عمل به عليٌ فحرق الزنادقة.

قلت: لا يصح العمل بهما لما يلي:

أولًا: إن سنديهما فيهما عكرمة وهو متهم بالكذب، روي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعلي بن عبد الله بن عباس، ويحيى بن سعيد، والقاسم بن محمد، وعطاء الخرساني، كما أنه كان يرى رأي الخوارج فلا يصحان سندًا.

 ثانيا: إن متنيهما يعارضان ما سبقت الإشارة إليه من الآيات.

ثالثًا: إن حديث تحريق علي للزنادقة - لو صح - لم يكن تشريعًا لأن أفعال الصحابة ليست تشريعًا.

رابعا: إن حديث تحريق علي للزنادقة يخالف ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة حيث قال: بعثنا رسول الله في بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلاناً فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".

خامسًا: إن حديث "من بدَّل دينه فاقتلوه" اشتمل على مواطن مبهمة اختلف فيها الفقهاء تشعر بخلل فيه، وهي كما يلي:

الأول: لفظة: (من) في قوله: (من بدَّل دينه)، هل تشمل الذكر والأنثى أم لا؟

الثاني: قوله: (من بدَّل دينه)، هل يشمل كل دين أم يقتصر على من ترك دين الإسلام فقط؟

الثالث: قوله : (فاقتلوه)، هل يلزم منه عدم استتابة؟ أم لا بد من استتابة؟ وإذا قيل باستتابته فهل يستتاب استحبابًا أم وجوبًا؟ وهل الاستتابة 3 أيام، أم أقل، أم أكثر، أم يستتاب أبدًا؟ كل هذه التفاصيل اختلف فيها الفقهاء وليس على واحدة منها دليل يوضح حكمها.

وللمقال بقية إن شاء الله.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com