د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامديد. أحمد بن قاسم الغامدي

لا صحة لحد الردة (2)

إتمامًا للمقال السابق (لا صحة لحد الردة 1) في الرد على ما اعترض به على عدم ثبوت حد الردة أقول:

ثالثًا: احتجوا بما روي في الصحيحين عن أبي موسى، قال: أقبلت إلى النبي، ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله يستاك، فكلاهما سأل، فقال: يا أبا موسى قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى إلى اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات. فأمر به فقتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي.

قلت: هذا الأثر في سنده حميد بن هلال لم يرضه ابن سيرين كما إن قصة اليهودي الذي ارتد لم تذكر في أكثر روايات هذا الأثر وإنما ذكر الأكثرون قصة من جاء يطلب العمل فقط، وهذا محل إشكال هل قصة اليهودي مدرجة في الأثر أو هي من أصله، ولو سلم بأنها من ثابتة في هذا الأثر لم يكن فيها إلا أن ذلك اجتهاد معاذ..

وقول معاذ إن ذلك قضاء الله ورسوله لم يرد في نصوص القرآن ولا عن رسول الله بسند صحيح، فالظاهر أنه اجتهاده ورأيه، بل إن الآيات التي أسلفنا في أنه لا إكراه في الدين ولأنه لم يثبت صحيحا صريحا مرفوعا عن رسول الله فلا يسلم به.

فكل هذا يدل بوضوح على أن هذه مسألة فقهية اجتهادية ظنية الثبوت والدلالة، وصور الردة مختلفة والظاهر أن ما كان يقع منها زمن رسول الله ليس ردة مجردة، وإنما كانت الردة يصاحبها اعتداء أو انحياز إلى صفوف أعداء الإسلام، فحمل الرواة القول بالقتل فيها على كل صور الردة دون تفريق بين الردة المجردة وغيرها مما فيه اعتداء..

وأكثر ما يمكن أن يقال إن الردة التي يباح فيها قتل المرتد هي التي يصاحبها اعتداء أو خروج على ولي الأمر، ويؤيد هذا ما يأتي:

أولاً: أنه لم يثبت عن النبي صحيحا صريحا أنه قتل أحدا لردة مجردة لا عدوان فيها.

ثانيًا: أن رسول الله ترك الأعرابي الذي طلب الإقالة من الإسلام فلم يقله الرسول ولم يحذره بأن عقوبة ذلك القتل كما جاء في الصحيحين عن جابر: جاء أعرابي النبيَّ فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محموما، فقال: أقلني. فأبى ثلاث مرار، فقال: المدينة كالكير؛ تنفي خبثها وينصع طيبها.

ثالثًا: إن عدم قتل المرتد هو الموافق لما تقدم من الآيات المحكمات في كتاب الله عن حق الإنسان في حرية الإيمان دون تفريق، وهو الموافق للآيات التي حذرت من الردة وسوء عاقبة فاعلها دون أن تشير لعقاب له في الدنيا.

رابعًا: أن قصة عبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي أسلم بمكة، واتخذه النبيُّ كاتبا، ثم ارتد ولحق بالمشركين وكان يؤلبهم على المسلمين، فأهدر النبي دمه، فلما كان فتح مكة لاذ بعثمان بن عفان وكان أخاه في الرضاعة، فغيبه عثمان حتى اطمأن الناس، ثم أحضره إلى النبي وطلب له الأمان فصمت رسول الله طويلاً، ثم أمَّنه؛ فأسلم.

تشهد لعدم ثبوت حد للردة، رغم أني لا أصحح سندها إلا أن بعضهم يصححه، فقصته تثبت وقوع ردة وعدوان ومع ذلك قبل الرسول شفاعة عثمان فيه والحد لا تجوز فيه شفاعة، فقد صح عن رسول الله قوله: (أتشفع في حد من حدود الله)، فلو كان هناك حد للمرتد لم يقبل النبي شفاعة عثمان في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولأقام عليه الحد لأنه حق لله.

خامسًا: ثبت أن رسول الله شارطه المشركون في صلح الحديبية على أن من أتى قريشا ممن هو مع رسول الله لم يردوه عليه، فقبل رسول الله شرطهم ذلك وفي ذلك موافقة الرسول لترك المرتد وهذا دال على أنه ليس بحد، إذ لو كان فيه حد لله لم يقبل شرطهم ذلك.

ومن اعترض بقتل الأسود العنسي، رد عليه بأنه لم يثبت أنه أسلم أصلا حتى يقال بردته، ومن عارض بقتل النفر من عكل وعرينة رد عليه بأنهم غدروا وقتلوا الرعاة، وسرقوا الإبل، فليست ردة مجردة بل حرابة أنفذ فيهم رسول الله حكم الحرابة.

ومن عارض بقتل مقيس بن صبابة رد عليه بأن ذلك خبر إسناده ضعيف، ولو سلم بصحته لم يكن فيه حجة لأنه إنما جاء يثأر ممن قتل أخاه خطأ فتظاهر بالإسلام وأخذ دية أخيه، ثم قتل من قتل أخاه، وهرب مرتدا قاتلا خائنا، فأمر رسول الله بقتله وليس لكونها ردة مجردة.

ومن عارض بقتل ابن خطل، رد عليه بأن ابن خطل قتل الخادم وفر من القصاص هاربا بالصدقة حتى جاء أهل مكة وقال لهم: لم أجد دينا خيرا من دينكم، وأخذ يهجو النبي ويسبه فأمر بقتله لذلك وليست هذه ردة مجردة.

ومن عارض بحرب أبي بكر ما نعي الزكاة وأنها قتال ردة، رد عليه بأنه ليس قتال ردة مجردة، فالحق أن أبا بكر لما أنفذ جيش أسامة أصبحت المدينة بلا جيش يحميها، فتشجع الأعراب المحيطون بها وجاءت وفود القبائل رافعة راية العصيان تفاوض على منع فريضة الزكاة بالسلاح، فقابلهم أبو بكر بالمثل وقال: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.

فهي كانت منازعة للحاكم وتمرد مسلح يستهدف إبطال حق مفروض فواجه أبو بكر ذلك بالسلاح ولم يقل أبو بكر حينها: (من بدل دينه فاقتلوه) ولا شأن لحرب مانعي الزكاة بحد الردة.

فالقول المحكم أنه لا نص في كتاب الله ولا ما صح عن رسول الله في أن الردة المجردة حدها القتل، وما روي من الأخبار في ذلك لم تسلم أسانيدها من القدح الموجب لردها فضلا عن نكارة متونها لمعارضتها صريح الآيات الدالة على خلاف ذلك.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com