د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامدي

ضعف رواية "أمر معاوية بسب علي"

أخرج مسلم في صحيحه عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم. سمعت رسول الله يقول له، وقد خلّفه في بعض مغازيه...

فقال له علي: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: "فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم" دعا رسول الله علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي.

قلت: في سندها حاتم بن إسماعيل المدني، قال يحيى بن معين: يحدّث بمناكير، وقال النسائي: ليس بالقوي، وفي سنده بكير بن مسمار، قال فيه الذهبي في الكاشف: فيه شيء، وقال العجلي: متساهل، وقال البخاري: فيه نظر، وذكر هذه الرواية في التاريخ الكبير وقال: فيه بعض النظر، وذكره العقيلي في الضعفاء، وضعفه ابن حبان وابن حزم.

وقوله: "أَمر معاوية سعدا" من كلام بكير وليس من كلام سعد، ولو كان من كلام سعد لقال "أمرني معاوية"، ويستبعد سماع بكير من سعد وبين وفاتيهما قرابة مئة عام، فالظاهر أن بكير رواها بتصرف في ألفاظها، وقد رواها الحاكم عن بكير بن مسمار، قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال معاوية لسعد بن أبي وقاص: "ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب"، وليس فيها قوله: "أمر معاوية سعدا" فهي لفظة غير محفوظة، فضلا عن ضعف إسنادها، ولو سلم بصحتها لم يكن فيها أمر معاوية بسب علي، إنما فيها سؤال معاوية "ما يمنعك أن تسب ابن أبي طالب".

قال النووي: "قول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول هل امتنعت تورعاً أو خوفا أو غير ذلك، فإن كان تورعـاً وإجـلالا له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك، فله جـواب آخـر، ولعل سعدا قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال، قالوا: ويَحتمِل تأويلا آخر أن معناه: ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ. والحاصل أن إسنادها ضعيف.

وقد رواها ابن ماجة من طريق ابن سابط عن سعد بن أبي وقاص قال: قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا عليا فنال منه، فغضب سعد، وقال تقول هذا لرجل سمعت رسول الله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. وسمعته يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. وسمعته يقول: لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله.

قلت: ابن سابط لم يسمع من سعد بن أبي وقاص. قال ذلك يحيى بن معين، فإسنادها ضعيف منقطع، وليس فيها أمر معاوية بسب علي.

وأخرجها النسائي في السنن من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن أبيه: أن معاوية ذكر علي بن أبي طالب فقال سعد بن أبي وقاص: والله لأن تكون لي إحدى خلاله الثلاث، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. لأن يكون قال لي ما قاله له حين رده من تبوك: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، أحب إلي أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. ولأن يكون قال لي ما قال في يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه ليس بفرار، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. ولأن أكون كنت صهره على ابنته لي منها من الولد ما له، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

قلت: إسنادها ضعيف. محمد بن إسحاق مدلس، وقد رواها بالعنعنة، وليس فيها أن معاوية أمر سعدا بسب علي، بل ولا سأل سعدا عن سبب عدم سبه لعلي.

وأخرجها البزار في مسنده من رواية بكير، وفي آخرها قال: "فلا والله ما ذكره ذلك الرجل بحرف حتى خرج من المدينة". والرجل المبهم هو معاوية كما جاء مبينا في ما أخرجه النسائي في السنن والخصائص من رواية بكير وقال في آخرها: "والله ما ذكره معاوية بحرف حتى خرج من المدينة".

وقد رويت بألفاظ مختلفة، ففي رواية ابن سابط (عند ابن ماجة) ذكر فيها: "من كنت مولاه فعلي مولاه"، وفي رواية قتيبة بن سعيد عن حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار (عند مسلم والترمذي) ذكر فيها قصة مباهلة نصارى نجران المتعلقة بقول الله: "فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم"، وفي رواية هشام بن عمار عن حاتم عن بكير (في سنن النسائي) ذكر فيها قصة الكساء المتعلقة بقول الله: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت"، وفي رواية أبي بكر الحنفي عن بكير (عند البزار) ذكر قصة الكساء دون ذكر الآية، وفي رواية ابن إسحاق عد الفضيلة الثالثة لعلي مصاهرته للنبي.

وهذا اضطراب بيّن، إذ القصة واحدة فلا يؤخذ بها، فضلا عن ضعف أسانيدها، فلم يثبت أن معاوية أمر بسب علي.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com