د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامديد. أحمد بن قاسم الغامدي

عقوبة شارب الخمر حد أم تعزير؟ (2)

أسلفت في المقال السابق أن العلماء اختلفوا في عقوبة شارب الخمر هل هي حد أم تعزير، وأشرت فيما مضى للقول الأول وأن العقوبة فيها من باب التعزير وأن هذا القول هو الأظهر. وهذه تتمة المقال السابق.

القول الثاني: أن عقوبة شرب الخمر حد، وأنها ثمانون جلدة، وهذا قول الحنفية، والمالكية، والحنابلة.

واحتُجّ لذلك بأنه إجماع من الصحابة، وبأنه قد ثبت الجلد فيه عن النبي، وأنه طالما اختلف فيه فتحديد قدره مرجعه الصحابة.

واحتج لذلك بما روى الطحاوي في معاني الآثار عن عبد الله بن عمرو أن النبي قال: "من شرب بسقة خمر، فاجلدوه ثمانين".

قلت: هذا إسناده ضعيف، وقال العيني منكر.

وقد اعترض على دعوى الإجماع بما يلي:

أولا: أن دعوى الإجماع غير مسلمة، فضلا عن أن الإجماع مختلف في ثبوته وفي حجيته.

ثانيا: أن علياً رجع إلى الأربعين في عهد عثمان، ولو كان الإجماع منعقدا لما خالفه.

ثالثا: أن الإجماع لا ينعقد على ما خالف فعل النبي وأبي بكر وعلي، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير، يجوز فعلها إذا رأى الإمام ذلك.

القول الثالث: أن عقوبة شارب الخمر أربعون جلدة حدا، وللحاكم أن يزيد على الأربعين تعزيرا، قال بهذا الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد ورجحها ابن قدامة.

واحتج لذلك بما روي في الصحيحين عن أنس: "أن النبي أُتي برجل شرب الخمر، فضربه بجريدتين نحوا من أربعين، ثم صنع أبو بكر مثل ذلك، فلما كان عمر استشار الناس فيه، فقال له عبدالرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، ففعل).

ويؤيد ذلك ما جاء في رواية أخرى عند مسلم وفيها أنه قال: "كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين"، وبما روى مسلم وغيره أيضا عن أبي ساسان أنه شهد عثمان وأتي بالوليد فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، فأمر عليا أن يجلده فأمر علي ابنه الحسن أن يجلده أربعين، ثم قال علي: "جلد النبي أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وهذا أحب إلي".

واحتج لذلك بما روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: إن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين".

واحتج لذلك بما روى البخاري عن السائب بن يزيد قال: "كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله وإمرة أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين".

ففي هذه الروايات دلالة على أن الزيادة على الأربعين لم تكن حدا، وإنما زادها عمر تعزيرا لما احتقر الناس العقوبة.

قال الحافظ في الفتح: "في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أنّ الحدّ أربعون، وإنّما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع ويزيد على ما كان مقررا...".

والأظهر من هذه الأقوال الثلاثة وأدلتها صحة القول الأول، وهو أن عقوبة شارب الخمر عقوبة تعزيرية وليست بحد من الحدود، لعدم ثبوت النص بها من كتاب الله أو من قول رسول الله، وما نقل من تقدير الصحابة لتلك العقوبة فقد اختلفت الروايات فيها، وأصح الروايات الواردة في هذا الباب لم يذكر فيها عدد الجلدات تحديدا، وإنما ورد في بعضها من تقدير الصحابة أنها تقدر بنحو أربعين جلدة.

وقد يعترض على ترجيح القول الأول بأن عقوبتها من باب التعزير بما رواه الجماعة عن أبي بردة أنه سمع رسول الله يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله".

فيقال إن حديث أبي بردة هذا نص فيه على ألا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله، وعقوبة شارب الخمر قدرت في الأحاديث بنحو أربعين جلدة، ولازم هذا أن تدرج عقوبة شارب الخمر في باب الحدود لا التعزير، لأنها تجاوزت العشرة أسواط، والجواب عن هذا أن حديث أبي بردة في صحته نظر، فقد أُعلّ بالاضطراب، وعلى التسليم بصحته فإن المراد بالحد فيه حق الله وحرماته، كما في قوله: "تلك حدود الله فلا تعتدوها"، وليس الحد المصطلح عليه عند الفقهاء، كما أن ما روي في عقوبة شارب الخمر تقدير محتمل، وليست منصوصا عليها.

قال ابن عثيمين في شرح الأربعين النووية: "ومن هنا نعرف أن عقوبة شارب الخمر ليست حدا، ولا يمكن أن نقول إنها حد، فلو كانت حدا ما تجاوزها عمر والصحابة رضي الله عنهم، ثم هناك دليل آخر من نفس القضية، لما استشار عمر الصحابة رضي الله عنهم، قال عبدالرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين أخف الحدود ثمانون، ويعني بذلك حد القذف.. فلو كانت عقوبة شارب الخمر حدا لكان أخف الحدود أربعين، وهذا شيء واضح".

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com