جوائز الأوسكار.. جدارة فنية أم صفقات خفية؟

جوائز الأوسكار.. جدارة فنية أم صفقات خفية؟

لعقود طويلة، وتحديدا منذ العام 1929 حين انطلقت أولى دورات جوائز الأوسكار، سعى النقاد السينمائيون إلى ضبط كتاباتهم بما يتناسب مع معايير أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأمريكية، التي تمنح هذه الجائزة الرفيعة، فما إن يتوج فيلم بجائزة أو عدة جوائز أوسكار في الفئات المختلفة، حتى يحظى الفيلم الفائز بالكثير من المديح والثناء.

وقد يكون الفيلم الفائز متواضعا، قياسا بأفلام أخرى مرشحة لمنافسته، لكن الفوز بالأوسكار هو المقياس الوحيد الذي يرفع صنّاع الفيلم إلى ذرى المجد السينمائي، فيما الأفلام التي لم تنل شرف الجائزة، من النادر أن تحظى باحتفاء.

للأوسكار تاريخ طويل من السجالات، والعثرات، فالوصول إلى المسرح الذهبي للجائزة، وهو ما يطمح إليه كل سينمائي، يمر عبر الكثير من المحطات الصاخبة والدروب الوعرة.

هذا يقودنا إلى سؤال: هل جوائز الأوسكار وعلى مدى ما يقرب من قرن كانت منصفة ونزيهة إلى هذا الحد حتى تكون معيارا خالصا للجدارة الفنية والجمالية؟  وهل ذهبت لمن يستحقها بالفعل، أم ثمة ألاعيب سياسية وأساليب دعائية تسويقية، وصفقات خلف الأبواب المغلقة تلعب دورا في اختيار فيلم دون آخر؟

بجواب مختصر، فإن الاحتمال الثاني هو الأرجح، إذ يشبه الممثل والكاتب مايكل شولمان في كتابه "حروب الأوسكار: تاريخ هوليوود في الذهب والعرق والدموع"، الطريق إلى الأوسكار بالحملات الانتخابية السياسية، فهناك استراتيجيون للحملة وخبراء دعاية وأشخاص يقضون العام بأكمله في العمل على الحملات ووضع الاستراتيجيات ونشر الإعلانات وإدخال الأفلام في مهرجانات، فضلاً عن مختلف الطرق لمناشدة أعضاء معينين في الأكاديمية".

بهذا المعنى، هناك عوامل ودوافع غير فنية تقحم في مسألة الاختيار، وبعض هذه الدوافع قد تكون بنوايا طيبة، ومحاولة للحفاظ على سمعة هذا المحفل السينمائي الرفيع الذي كثيرا ما تعرض للانتقاد، ولمحطات محرجة.

ولعل فوز فيلم "كل شيء.. كل مكان في وقت واحد"، الذي نال سبع أوسكارات في الدورة الأخيرة، يشير إلى أن الاختيار جاء "انتصارا للأقليات" لا للقيمة السينمائية، فالفيلم عبارة عن خليط من الفانتازيا والخيال العلمي والآكشن والكوميديا، ويعتمد على مونتاج ذي إيقاع سريع لا يدع المشاهد يلتقط أنفاسه، مع جرعة عالية من الصخب والعنف والرسائل الفلسفية الغامضة.

ومع أن ثمة أفلاما أكثر أهمية كانت مرشحة للجوائز المهمة التي نالها الفيلم، غير أن فيلم "كل شيء.." نال نصيب الأسد من الجوائز، في محاولة من الأكاديمية الأمريكية لمراعاة التنوع، والاعتراف بدور الآسيويين، هذه المرة، في الصناعة السينمائية في هوليوود.

نحن لا نرى من الأوسكار سوى ذلك البريق المشع الذي يبهر العالم في ليلة منح الجوائز، غير أن ذلك البريق يخفي خلفه الكثير من الغبن، والصفقات.

فريق الفيلم في أغلبه آسيوي، وموضوعه أيضا يتمحور حول أسرة صينية تملك مغسلة للثياب وتسعى لتسوية مشكلة مع مصلحة الضرائب، ما يعني أن موضوع الفيلم ذاته يسعى لتكريس حضور الأقليات، فقد نالت بطلة الفيلم الماليزية ميشيل يو "أوسكار" أفضل ممثلة في دور رئيسي، لتصبح أول ممثلة آسيوية تنال هذه الجائزة، فيما ذهبت جائزة أفضل ممثل في دور ثانوي إلى كي هوي كوان، وهو كذلك من أصل فيتنامي.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي في منح أوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل لفيلم "نافالني"، الذي يتحدث عن المعارض الروسي الذي يحمل الفيلم اسمه، وقد وصف الكرملين صراحة الجائزة بأنها "مسيسة"، خصوصا وأن ترشيح الفيلم يتزامن مع التوتر بين الغرب وروسيا على خلفية الحرب الأوكرانية، وهذا يعيد إلى الأذهان فوز الكثير من الأفلام المعادية للشيوعية في حقبة الحرب الباردة، وفق رؤية كانت سائدة، آنذاك، تضع السياسة قبل الفن.

للأوسكار، إذاً، تاريخ طويل من السجالات، والعثرات، فالوصول إلى المسرح الذهبي للجائزة، وهو ما يطمح إليه كل سينمائي، يمر عبر الكثير من المحطات الصاخبة والدروب الوعرة.

وفي سنوات سابقة تعرضت الأكاديمية الأمريكية للانتقاد بسبب هيمنة العرق الأبيض على الجوائز، وهذا أشعل نقاشا حول "العنصرية" في هوليوود ونقص الفرص للأشخاص الملوّنين في صناعة السينما، لتفوز، في ضوء هذا السجال المحتدم، الممثلة الأمريكية هالي بيري، كأول امرأة من أصول أفريقية، بجائزة الأوسكار كأفضل ممثلة، قبل نحو عقدين، كما فاز الممثل الأمريكي دينزل واشنطن بجائزة أفضل ممثل، وهو أيضا من ذوي البشرة السمراء.

وطالت الانتقادات كذلك "غلبة العنصر" الذكوري على الفائزين بالجائزة، فاضطرت الأكاديمية في السنوات الأخيرة إلى مراعاة هذا الجانب، سواء حين يتعلق الأمر بمنح الجوائز في الفئات المختلفة، أو كذلك عند التصويت للأفلام الفائزة، فثمة حرص على حضور العنصر النسائي.

نحن لا نرى من الأوسكار سوى ذلك البريق المشع الذي يبهر العالم في ليلة منح الجوائز، غير أن ذلك البريق يخفي خلفه الكثير من الغبن، والصفقات التي ربما أوصلت الجوائز لعناوين خاطئة، على أن ذلك لا يلغي أن ثمة أفلاما، أيضا، توجت بالأوسكارات عن جدارة.

أخبار ذات صلة
مودي: الهند سعيدة وفخورة بفوزها بجائزتَي أوسكار

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com