رمزي الغزوي
رمزي الغزوي

صورة عائلية لركاب الأرض

يُسعدني أن أعرف اسم المولود الذي سيصل به عددُ أفراد عائلتنا البشرية إلى 8 مليارات نسمة، في هذا اليوم 15 تشرين الثاني 2022، وفقاً لتقرير التوقعات السكانية الصادر عن الأمم المتحدة.. الوصول إلى فحوى هذه اللحظة الفارقة يجعلني أرى أن علينا الاحتفال بها بطريقة ما.

لا يرعبني العدد المهول للبشرية وتفاقمه بوتيرة متسارعة، ليس لأنني ما زلت أضحك من فكرة جدتي حين كانت تحثّ نساء العائلة أن ينجبن المزيد من الأحفاد قائلة "كل شي من الكثير أمير"، أي أن الكثرة إمارة بشكل ما، لا يرعبني العدد أبداً، بل الوصول إليه يتيح لنا فرصة التفكير في أحوال وأوحال كوكبنا المتهالك المنكوب.

أمنا الأرض لا تعاني من أعدادنا وتضاعفها، بقدر معاناتها من سلوكنا الشائن العدائي اللاأبالي؛ فمليار إنسان ربما يضيّقون كوكباً حيّاً باسما بحجم المشتري، ويحيلونه رمادا مبثوثا في معارج المدارات، فيما عشرة مليارات قد يوسّعون كوكبا ميتاً مقفهرا بحجم بلوتو، ويجعلونه بيتا أخضر يانعا قابلا للحياة مقبلا عليها.

أريد أن أحتفل بتنوعنا واختلافنا كبشر في مناسبتنا المليارية، مع اعترافنا بإنسانيتنا المشتركة قبل كل شيء، وأريد التذكير أن الدم النابض في عروقنا لونه واحد، رغم تباين ألوان وأشكال بشرتنا وعيوننا وأنوفنا وشحمات آذاننا، كما أن اليوم مواتٍ لنبث مشاعر الامتنان للتطورات الصحية التي أطالت أعمارنا، وخفضت معدل الوفيات وقضت على الأمراض الفتاكة.

أعرف تماما أن الوصول إلى المليار الثامن سيحيي نظريات قديمة تتنبأ بمجاعات تجتاح أصقاع القارات ولا تنتهي إلا بحروب غاشمة ظالمة، وأمراض اصطناعية تقلص عددنا إلى مستويات يراها البعض في حدود مليار ذهبي فقط. هذه نظرية قصيرة النظر، عقيم وكنود. فموارد الأرض تكفي الجميع وتكفل ازدهارهم، وما ينقص الناس سوى حسن إدارتها وتنميتها واستثمارها بشكل حكيم.

بعيداً عن أن عدد ركاب الأرض في العام الذي ولد فيه المسيح عليه السلام كان بحدود 200 مليون نسمة فقط، كما يخبرنا العلم، وبعيدا أيضا عن أننا سنزداد مليارا جديدا في بضع سنوات أو أدنى، يخطر في بالي أن أحتفل على طريقتي وأدعو البشرية إلى صورة عائلية باسمة بمناسبة مليارها الثامن. وما أحتاجه فقط أرض مستوية لا تقل مساحتها عن 4000 كيلو متر مربع (أقل من نصف مساحة لبنان)؛ ليقف كل إنسان في نصف متر مربع مرتاحا، ريثما يلتقط مصور بارع صورة خالدة للجميع من ارتفاع شاهق.

البعض سيذكّرني بأنني سأستنزف وقتا طويلا لأنطق فقط بفعل "ابتسم"، بآلاف اللغات واللهجات. لكن سأتغلب على المشكلة برفع صورة إنسان باسم؛ لتثير عدوى التبسم في العائلة جمعاء.

أعرف أن دعوتي فنتازية غرائبية غير قابلة للتطبيق، ولو توافرت اللوجستيات كلها.. أعرف هذا، لكني أردت منها أن أذكر الركاب كلهم، ومنهم من يرى نفسه أهم من الجميع وفوقهم، بأننا سنبدو في الصورة نقاطا بلون التراب تتقارب من نقاط لتتماهى مع أديم الأرض، فنخن عابرون كما عبر 100 مليار إنسان قبلنا على هذه البسيطة، وما تركوا إلا التراب. عابرون وقد تبقى صورتنا الباسمة هذه معلقة في ذهن الزمن تثير أشجان الذكريات.

وكل مليار والبشرية بخير ونماء.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com