الانتخابات الإسرائيلية.. مولد بلا حمص

الانتخابات الإسرائيلية.. مولد بلا حمص

انتهت الانتخابات الإسرائيلية بانتصار مؤزر لزعيم اليمين بنيامين نتنياهو، دون أن يسبب انتصاره هزيمة نكراء لمنافسه في معسكر اليسار يائير لابيد..

ظلت هناك مساحة احتفال بانتصار هنا وعزاء هناك، وبقيت هواجس خسارة واضحة لدى الكل في الحسابات عند تشكيل ائتلافات الحكم أو تنظيم صفوف المعارضة.

نتنياهو الذي لحقت به في الانتخابات السابقة هزيمة لوثت تاريخه وهددت مستقبله السياسي، فَرحٌ وهو يحصد مع الائتلاف المتحالف معه غالبية، تمكّنه من الرجوع إلى رئاسة الحكومة، بصورة تعيد له الاعتبار، بعد خروجه المهين من رئاسة الحكومة.

وعودة نتنياهو لرئاسة الحكومة لا تعني تجديد حيويته السياسية فقط، بل تعني إبعاد شبح المطاردة القضائية على خلفية الفساد الثابت عليه والمعروض بالتفاصيل والأدلة أمام المحكمة. وعودة بهذه المواصفات تعني أنه قد يتمكن من الاحتفاظ برئاسة الحكومة دورة كاملة مدتها أربع سنوات، وقد تعني أيضا تحسين فرصه في التصدي للمعارضة، بل ربما السعي لتفتيتها.

في المقابل، فإن يائير لابيد، رئيس الحكومة المنتهية ولايته، يجد في النتائج التي حصل عليها في الانتخابات الكثير من العزاء؛ فقد انتقل من نصف رئيس حكومة تقاسم عمرها مع رئيس الوزراء السابق نفتالي بينت، ليصبح بعد النتائج التي حصل عليها الائتلاف الجديد الذي يقوده، زعيما كاملا لمعارضة قوية قادرة على شل حركة أي حكومة يقودها نتنياهو، أو حتى التلويح بإسقاطها في كل مناسبة سانحة، وما أكثرها بالنسبة لشخصية مثيرة للجدل – حتى لا نقول المتاعب – كنتنياهو.

النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات ستؤدي إلى تشكيل حكومة، في مواجهة نوعين من المعارضة، الأولى معارضة بنكهة الابتزاز ضمن الائتلاف الحكومي المنتظر، طمعاً في مناصب رئيسية في الحكومة وسعياً لفرض سياسات داخلية وخارجية محرجة.. والثانية معارضة برلمانية متحفزة تتحين الفرصة لإسقاط أي حكومة جديدة يشكلها نتنياهو، أو على الأقل عرقلتها ومنعها من تحقيق أي نتائج تعزز شعبيتها وتخدمها مستقبلا، فيما إذا أصبحت جولة سادسة من الانتخابات هي المخرج الوحيد لمأزق تشكيل حكومة جديدة.

وبعيداً عن الجدل بين القوى السياسية الإسرائيلية، وبعيداً عن الموضوعات الحياتية والأيديولوجية التي ظلت ضمن معمعة الشد والجذب في المجتمع الإسرائيلي، فإن نتائج الانتخابات عمقت فيما يبدو التوجه الإسرائيلي لتهميش قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ورفعتها من التداول  كموضوع يثير الجدل، بين القوى والأحزاب الإسرائيلية المختلفة.

فحالة الانقسام التي أظهرتها نتائج الانتخابات الجديدة، أو الجولات الانتخابية السابقة، تؤكد أن هناك اتفاقا بين قوى الائتلاف التي سيُعهد إليها بتشكيل الحكومة المقبلة، وبين قوى الائتلاف التي ستقود المعارضة، على أن التفاوض مع الفلسطينيين لا يمثل أولوية للفريقين، وأن اختلافهما هو اختلاف على قضايا محلية يومية، وأيديولوجية لا أكثر.

ولذلك، فإن أولئك الذين كانوا يعولون على نتائج الانتخابات والنظر إلى هذه النتائج كمؤشر يمكن أن تقرأ من خلاله المواقف السياسية الإسرائيلية من قضية الصراع مع الجانب الفلسطيني، سيكتشفون أن هذا الرهان كان رهاناً غير صحيح، وخاسراً من الأساس، وأن مجيء مَن يعد متطرفاً، وقدوم من يُنظر إليه على أنه معتدل، لا يغير من حقيقة الموقف الإسرائيلي، الرافض لكل مشاريع ومبادرات السلام، والمتنكر للاتفاقات، والمتمسك باحتلال الأرض، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه طرفا الصراع وتدفعه المنطقة من مستقبلها ومستقبل أجيالها المتعاقبة.

والقوائم العربية التي خاضت الانتخابات على أن تكون عاملا مرجحا يسهم في تغير المواقف الحزبية الإسرائيلية من القضية الفلسطينية، خرجت من المولد الانتخابي دون حمص، فوجدت نفسها محاصرة بمواقف وأجندات مسبقة لكلا طرفي المعادلة التي أفرزتها الانتخابات؛ فلا المعارضة تريد الاستقواء بها على خصومها في الحكومة، حتى لا تتهم بخيانة المشروع الصهيوني ويهودية الدولة، ولا الائتلاف الحكومي مستعد للبحث في أمور اعتبرها على الدوام جزءا من أجندته الأمنية وعقيدته السياسية.

النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي هم في الحقيقة ليسوا أكثر من شهود زور، تجمل بهم إسرائيل، سواء كانت حكومة أو معارضة، صورتها كواحة ديمقراطية تتباهى بها أمام المجتمع الدولي وتخفي وراءها عنصرية غير مسبوقة إزاء شعب ما زال يعاني مرارة الاحتلال والتشريد، وظروف التمييز العنصري بأقصى تجلياته، منذ ما يزيد عن سبعين عاماً.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com