د. أحمد بن قاسم الغامدي
د. أحمد بن قاسم الغامدي

خطر التعصب المذهبي

نشأت المذاهب العقدية والفقهية في بدايتها كآراء اجتهادية طرحت في مسائل طارئة وتفاعل معها الناس آنذاك دون تصورات مسبقة تؤسس للتقديس والتعصب لها، وكان الناس يدركون حينها أنها اجتهادات بشرية يرد عليها الصواب والخطأ وأن لا عصمة لغير الوحي..

إلا أن ذلك تغير مع الوقت حينما لاقت بعض الآراء الاجتهادية ممانعة وقبولا بين الناس، وتطور تفاعل الناس معها ومع قائليها وتكونت بسبب ذلك تكتلات تناصرها وتدافع عنها وأخرى تعارضها وتختلف معها، حينها برزت المذهبية في تلك التكتلات وامتد تأثيرها عبر التاريخ والظروف التي مرت بها، فتنشط بنشاط أئمة المذهب ويكثر أتباعها وتروج مفاهيمها في المجتمعات.

لقد صاحب هذه الحركة وذلك النشاط الكثير من الحماس الذي تولد عنه الكثير من التعصب لأفكار المذهب وعلمائه، وزاد من توسع ذلك حظوة بعض أئمة تلك المذاهب ومجتهديها عند بعض الحكام، حيث أسهم ذلك في تسنم طائفة من فقهاء هذه المذاهب لمناصب القضاء والفتيا والإمامة، وأفضى ذلك إلى تسيد الساحة العلمية والفكرية، فكان بريق السلطة والجاه له أثر كبير في انخراط كثير من الناس في التعصب المذهبي..

وقد توسع أثر ذلك التعصب المذهبي بصورة أخطر، بسبب الحظوة والتمكين التي نالها بعض المتعصبين عند بعض حكام المسلمين، حيث مارسوا الإقصاء والإيذاء والقمع والوشاية والإيقاع بالمخالف لهم، فأثر ذلك تأثيرا خطيرا على الحياة الفكرية والسياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، حيث أصبح الولاء المذهبي المتغلب مطلبا والتحيز له مطمعا على حساب حرية الفكر في المجتمعات.

لقد تولد عن ذلك الولاء والتحزب الكثير من الكراهية والبغي والعدوان على المخالف، وقضى الاستبداد المذهبي على مناخ الحرية في البحث العلمي وأصاب الاجتهاد الذي دعت إليه الشريعة في مقتل حين صادر حق الاختلاف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وانحرف ببوصلة حرية الفكر في الناس وأخل بموازين حياتهم بشكل كبير في كل الجوانب الدينية والدنيوية، فأعاق ذلك الانحراف ملكات الفهم والإبداع العلمي، وأحبط الوعي المعرفي وقيده في إطار مذهبي مخصوص، ورفع الاجتهاد البشري إلى منزلة الوحي المقدس.

لقد عانى كثير من المصلحين من ذلك التعصب المذهبي والسياسي المتحالف معه أشد المعاناة، وتجسدت تلك المعاناة في صور كثيرة من الفرقة والصراع عبر التاريخ الإسلامي، ولم يسلم من ضرر طغيان ذلك الاستبداد إلا ما ندر.

لقد استباح أهل التعصب المذهبي إيذاء المخالف نصرة لمذاهبهم لاعتقادهم أنهم بذلك ينصرون الحق المطلق، والحقيقة أنهم أسسوا للغلو في آراء واجتهادات بشرية، وفتحوا أبواب الكراهية والفرقة والعداوة بين المسلمين، فكانت حقيقة تلك المناصرة المزعومة دعوة للتحزب والتفرق والانقسام، وكسر رابطة الأخوة الدينية التي دعت إليها الشريعة، وتفتيتها، وإضعاف قوة المسلمين وخلخلة وحدتهم واستقرارهم.

فالتعصب المذهبي والتحزب له جعل أنصاره يظنون أنهم يمثلون الفهم الصحيح للإسلام ويحتكرون تفسير نصوص القرآن والسنة، ويعتقدون لزاما مواجهة من يختلف معهم، وهذا قطعا لن ينته بالمختلفين إلا للصراع والنزاع والفشل.

لقد توغل ذلك التعصب المذهبي وجعل طائفة منهم يسارع للتنفير من الاستماع للمخالف لهم أو قراءة كتبهم، بل جرأ طائفة منهم على التفسيق والتبديع والتكفير والتحريض والإضرار بالمخالف، وانساق خلف تلك الانحرافات كثير من أتباعهم وأصبحت سطوة الأتباع والجماهير هي الحصن الذي يتمترس به المتعصب ويتخذه مطرقة لقمع المخالف له، ومازال هذا حال كثير من المسلمين اليوم، فما أشبه الليلة بالبارحة.

لقد تجددت تلك الأدواء بمصطلحات جديدة اليوم وأصبحت سلاحا يشهر في وجه المختلف لإرهابه وطمس صوته، ولم يقتصر ذلك على العلماء والمفكرين والمجتهدين والباحثين، بل طال الحكام، حيث تنادى المتطرفون والمتعصبون بدعوات التكفير والقتل والطرد والسجن للحكام، وتولد عن ذلك فساد كبير، وأعظم البلاء أن ذلك كله يفعل باسم الدين والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقع ممن ينتسب للعلم وأهله.

إنه السير على خطى أحبار اليهود ورهبان النصارى التي حذرنا الله ورسوله منها، وقد تجد من يستنكر مظاهر التشبه الشكلية بأهل الكتاب وهو واقع فيما هو أشد منها وهي الدعوة إلى التفرق والتنازع والقتال.

إن النصوص الداعية للاجتماع والتآخي والاعتصام بحبل الله، والمحذرة من التعصب والتباغض والتفرق والاقتتال والتنازع من أهم ما جاءت به شريعة الإسلام لمفارقة ما كان عليه أهل الجاهلية ومجانبة ما وقع فيه من هم قبلنا من أهل الكتاب من التفرق والتنازع والانقسام..

وقد تفطن كثير من سلف الفقهاء لخطر هذا الأمر، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من المجتهدين، فكانوا لا يقبلون بفرض اجتهاداتهم ولا كتبهم، ويرونها رأيا محتملا الصواب، غير معصوم، فكانوا ينهون عن كتابتها، ويتقبلون النقد ويحترمون المختلف ويحاور بعضهم بعضا على افتراض أن الصواب قد يكون مع المخالف لهم، فقامت بسبب ذلك حضارة عظيمة ونهضة فكرية بلغت الآفاق بالأخلاق وهذا ما يجب أن نعود إليه لترتقي هذه الأمة بالأخلاق والعلم والاجتهاد والابتكار والإبداع في جميع نواحي المعرفة دون تعصب ولا إقصاء.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com