الهند.. و"العائد الديموغرافي"

الهند.. و"العائد الديموغرافي"

تشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة أن الهند في طريقها للتفوق على الصين لتصبح أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان خلال العام الحالي، إذا لم يكن قد حصل ذلك بالفعل.

يعد هذا التغيير الأول على قمة تصنيفات سكان العالم منذ قرون، وهو التغيير الذي يعكس المسارات الديموغرافية والاقتصادية المتباينة للبلدين، وقد يؤدي في النهاية إلى أن تصبح الهند الاقتصاد الأسرع نموا في العالم، في حين تواجه الصين نموا أبطأ نتيجة ارتفاع نسبة الشيخوخة.

عالميا، لا تزال الهند "نقطة مضيئة" وسط مخاوف متزايدة من حدوث ركود في الولايات المتحدة وأوروبا.

العامل الأكبر وراء تعداد سكان الهند الهائل والذي تجاوز 1.4 مليار نسمة هو نسبة الشباب، 650 مليون هندي (ما يقرب من نصف سكان البلاد) تقل أعمارهم عن 30 عاما، ويقدر خبراء الأمم المتحدة أن الهند لن تصل إلى ذروتها السكانية حتى عام 2065، وهو الأمر قد يمنحها عقودا من توفر القوى العاملة الشابة والرخيصة.

هذا ما يسمى بـ"العائد الديموغرافي"، وهو الذي ساعد دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان والصين على أن تصبح قوى تصنيعية عالمية، ويأمل المسؤولون الهنود أن يتكرر نفس الوضع في المسار التنموي لبلادهم، حيث تتطلع نيودلهي الى جذب الشركات الغربية والآسيوية الكبرى في العالم للتحول الى قوة اقتصادية تنافس الصين.

في الحقيقة إن هذا التزايد السكاني للهند صاحبه أيضا تصاعد في الأهمية الاقتصادية للبلاد على المستوى العالمي، خلال العقد الماضي، أو عندما بدأ ناريندرا مودي ولايته الأولى كرئيس للوزراء في عام 2014، تقدمت الهند من كونها عاشر أكبر اقتصاد في العالم، إلى الترتيب الخامس في الوقت الراهن. 

ومن حيث حجم سوق الأوراق المالية، فقد وصلت بالفعل إلى المركز الرابع، خلف أمريكا والصين واليابان فقط.. كما تحتل الهند المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة والصين في عدد شركات "يونيكورن" أو الشركات الناشئة غير المدرجة التي تبلغ قيمتها مليار دولار أو أكثر.

وفي المقابل تعتبر البلاد لاعبا رئيسا في أسواق الطاقة العالمية حيث إنها ثاني أكبر مستورد للفحم، وثالث أكبر مستورد للنفط، ورابع أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال.

ليس من المستغرب أن يتحول الجزء الأكبر من حركة الإنتاج خارج الصين إلى فيتنام أو دول أخرى غير الهند.

ويمكن القول إنه على صعيد الاقتصاد العالمي، لا تزال الهند "نقطة مضيئة" وسط مخاوف متزايدة من حدوث ركود في الولايات المتحدة وأوروبا، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد بحدود 6% في السنة المالية الهندية المقبلة التي تبدأ في أبريل/نيسان، بانخفاض عن النمو المقدر بنسبة 7% في الوقت الحالي، وهي نسب تعد ضمن الأعلى في العالم وتتجاوز المعدلات الصينية الحالية بشكل كبير.

كما تشعر المؤسسات الدولية بالتفاؤل بشأن مستقبل الاقتصاد الهندي؛ فحسب توقعات مركز أبحاث الاقتصاد والأعمال البريطاني، من المتوقع أن تقفز الهند إلى المراكز الثلاثة الأولى على مستوى العالم في بداية العقد القادم، لكن صندوق النقد الدولي يعتبر أكثر تفاؤلا في هذا السياق، حيث يتوقع أن تنتقل الهند إلى المركز الرابع (محل ألمانيا) في عام 2025 وإلى المركز الثالث (محل اليابان) في عام 2027.

لكن رغم هذه الصورة المتفائلة، فإن العديد من المفكرين الهنود يشعرون بالقلق من مسار التنمية في بلادهم، ويجادلون بأن الهند ليست بحاجة إلى النمو بشكل أسرع، بحاجة إلى النمو بشكل أفضل، ووفقا لتقديرات للعديد من التقديرات الدولية، تحتاج الهند لخلق بين 10-12 مليون وظيفة (غير زراعية) سنويا لاستيعاب ذلك الكم الهائل من الطاقات الشابة.

في الواقع، لا تزال البلاد تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، والفساد، والفقر/التفاوت الطبقي، وانخفاض المشاركة العمالية خاصة النسائية، والاقتصاد غير الرسمي الكبير، كما لا تزال الصناعة تعاني من نقص العمالة الماهرة، وعدم الكفاءة البيروقراطية وقضايا التمويل.

وقد يؤدي فشل الهند في توفير وظائف جيدة إلى تبديد فرصتها الديموغرافية، ومنعها من الاستفادة من الازدهار السكاني في سن العمل، لا بل إن "العائد الديمغرافي" قد يتحول من نعمة الى نقمة.

وعليه، ليس من المستغرب أن يتحول الجزء الأكبر من حركة الإنتاج خارج الصين إلى فيتنام أو دول أخرى غير الهند، حيث تتطابق العديد من معايير التعليم أو تتجاوز تلك الموجودة في الدول الصناعية الغربية وتتمتع النساء بمعدلات مشاركة عالية في القوى العاملة، علاوة على تزايد نسبة العمالة الماهرة وتحسن كبير في البنية التحتية وسلاسل التوريد.

الهند.. و"العائد الديموغرافي"
الهند تمنع عرض فيلم وثائقي لـ "بي بي سي" عن رئيس الوزراء مودي

ولعل هذا الوضع هو ما دفع المؤرخ الاقتصادي أشوكا مودي أن يتحدى في كتابه الجديد "India Is Broken: A People Betrayed, Independence to Today"، السرديات السائدة حول مكانة الهند. ويجادل مودي، وهو اقتصادي سابق في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ويعمل الآن أستاذا في جامعة برينستون الأمريكية، بأن البلاد تحتفل بـ"اللمعان السطحي" للتنبؤات الوردية لمستقبلها.

ويؤكد مودي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بحد ذاته هو مقياس خاطئ لرفاهية الإنسان، مشيرا إلى أنه على جميع مقاييس المعيشة ورفاهية الإنسان بما في ذلك الوظائف والصحة والتعليم ومشاركة المرأة في القوى العاملة ونوعية الحياة في المدن ومستويات التلوث، مرونة المؤسسات الديمقراطية، متخلفة عن الدول التي تتنافس معها.

ولعل السيناريو الكارثي (حسب رأيي) بالنسبة للاقتصاد الهندي، أن يعيد "الوضع الديموغرافي" إنتاج أفكار المنظر الألماني الراحل كارل شميت التي تستند إلى تحديد السياسة بمنطق الصديق والعدو، وهو ما يعني بالمحصلة أن يترافق تفاقم تلك المؤشرات السلبية مع زيادة نفوذ المتطرفين القوميين الهندوس وتصعيد الحرب الطائفية ضد ما يعتبرونه "عدو الداخل" أو الأقليات الدينية والعرقية خاصة المسلمين.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com