إبراهيم حاج عبدي
إبراهيم حاج عبدي

كرة القدم بين بورخيس الأرجنتيني وساراماغو البرتغالي

نسمع كثيرًا جوابًا يكرره غير الشغوفين بكرة القدم، من أمثالي، لدى السؤال عن المنتخب الذي يشجعونه، بأنهم "مع اللعبة الجميلة"، غير أن هذا الجواب، الذي يغيظ المشجعين المهووسين، يعكس جهل المجيب بتاريخ هذه الرياضة، ونجومها وأساطيرها، ومحطاتها الحادة، وخيباتها وانتصاراتها، وهو هروب من رد غير حاسم يفتح المجال للبحث عن "أسباب غير رياضية"، أملاً في إيجاد المنتخب المفضل الذي يستحق التشجيع.

عادةً ما أتابع المباريات دون موقف مسبق تجاه أي من المنتخبين، فحركة "الساحرة المستديرة" على المستطيل الأخضر تقودني إلى هذا الاتجاه أو ذاك، من خلال سلوك اللاعبين وتصرفاتهم الخشنة، وردود أفعالهم المبالغ فيها عند تسجيل هدف، وهفوات وأخطاء الحكام، وصيحات الجماهير على المدرجات.

أميل دوما، وبشكل عفوي، إلى تشجيع المنتخب الخاسر، كي يسجل هدفا ليتعادل مع خصمه، ولا أبالغ إن قلت إن أمنيتي هي أن تنتهي المباريات دائما بالتعادل، وتلك أمنية مستحيلة، فقاعدة هذه الرياضة مبنية على معادلة "غالب أو مغلوب"، وهي معادلة "غير منصفة"، كما كل شيء في هذي الحياة، لكن لا مهرب منها.

إذًا، لا بد من البحث عن حوافز أخرى تبرر تشجيع هذا المنتخب أو ذاك، وهنا يتعين عليّ أن أذهب بعيدا عن عالم الرياضة حتى أعثر على ضالتي؛ ففي مبارة بين فرنسا والأرجنتين، مثلًا، أتخيل أن المنافسة هي بين بورخيس وخوليو كورتاثار وإرنستو ساباتو وبين فيكتور هيغو وألبير كامو ومارسيل بروست.. هؤلاء هم مَن يرجحون الكفة لصالح هذا الفريق أو ذاك..

الأمر ذاته ينطبق على معظم المباريات، فمع البرازيل يحضر اسم الروائي جورجي أمادو، ومع كولومبيا لا يمكن إغفال اسم غابرييل غارسيا ماركيز، الحكاء البارع، ومع البيرو لن يغيب عن الذهن ماريو بارغاس يوسا صاحب "امتداح الخالة" و"دفاتر دون ريغوبرتو" و"الفردوس على الناصية الأخرى"..

ومع هولندا سيحضر شبح فان كوخ الذي مات معدما، فيما تُباع لوحاته الآن بملايين الدولارات، ومع روسيا، التي غيبت عن مونديال قطر، بسبب حرب أوكرانيا، سنكون على موعد مع قامات أدبية لا يخفى أثرها من أمثال ديستوفسكي وتولستوي وغوركي..

وحين تكون إيطاليا طرفًا، سنبحر مع سينمائييها ورموز مدرستها الناصعة "الواقعية الإيطالية الجديدة"، عبر أسماء فيلليني وبازوليني وفيتوريو دي سيكا وروسيلليني، وصولا إلى لوشيانو فيسكونتي صاحب فيلم "الأرض تهتز"، وهو عنوان يعكس حقيقة مباريات كرة القدم، وخصوصا في بطولتها الأرفع عالميا "المونديال".

وعندما تكون إحدى دول قارة أفريقيا أو آسيا طرفا في المباريات، فثمة الكثير من الأسباب "غير الرياضية" التي تدفعك لتشجيع منتخباتهم وتحقيق الانتصار كتعويض رمزي عن تاريخ طويل من الاستعمار، فضلا عن حاضر هذه الدول التي تعاني من الفقر والتهميش والديكتاتوريات العسكرية، فلمَ نبخل عليهم بالتمني بانتصار كروي عابر؟

وهذا يقودنا إلى المعيار السياسي، الذي يعد أيضا مدخلا صالحا لاختيار هذا المنتخب دون ذاك، فحين تلعب إيران سنميل إلى مناصرة خصمه، وعندما يتواجه مثلا منتخب تونس أو المغرب مع فرنسا سنكون مع المنتخبين العربيين...وعندما تكون الموقعة بين إنكلترا والسنغال سننحاز إلى الأخيرة..

إذا عدنا الآن إلى السؤال الذي بدأنا به، وعلى اعتبار أن المنتخبات الآسيوية والأفريقية لا فرص أمامها في الوصول إلى النهائيات، فإن المنتخب الذي سأشجعه، وفقا لما تقدم، هو البرتغال والأرجنتين، لا لسواد عيون رونالدو ولا لبراعة ميسي، وإنما لأجل بورخيس الأرجنتيني وجوزيه ساراماغو البرتغالي...

وعندما يصلان إلى النهائي سأكون في صف ساراماغو، الحائز على نوبل الآداب، وصاحب الروايات الأجمل من قبيل "كل الأسماء"، و"انقطاعات الموت"، و"حصار لشبونة"..

وطبقا لهذه القائمة من الروايات القيمة فإن بلاده تستحق كأس المونديال، خصوصا وأن هذا الانجاز إن تحقق، سيكون المرة الأولى التي تحصل فيها البرتغال على الكأس في تاريخها.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com