حافلة الانحباس الضميري

حافلة الانحباس الضميري

لا أعرف لماذا تُلصق تهمة انفصال سلسلة قمم الأمم المتحدة للتغير المناخي السنوية عن بعضها بعضا.

ففي العام الماضي، وبعدما سخرت مواقع التواصل الاجتماعي من صورة للرئيس الأميركي جو بايدن وهو يكسر ناعوسته، كي لا نقول إنه كان نائماً، أثناء افتتاح قمة "غلاسكو" في إعادة إسكتلندا، تحذرنا قمة شرم الشيخ المنعقدة في الأثناء مغبةَ السخرية من رؤساء الدول والحكومات المشاركين. ألا يعدُّ هذا التحذير القاطع مؤشرا على تكاملية تلك القمم واتصالها الوثيق فيما بينها، وأنها بناء يراكم إنجازا فوق إنجاز.

حاضر. لن نسخر من أحد، حتى ولو شخر شخرتين طويلتين تقطعهما شخرة قصيرة. ولن نسخر من غائب منهم عن هذه القمة وسابقتها، وبلده الأكثر تلويثا للأجواء ببلاوي الكربون وهبابه، ولا من آخر شغل العالم بحربه الظالمة على جارته.. لن نسخر إلا من أنفسنا، نحن الحالمين الذين ما زلنا نصرف جهدا لمتابعة قمم صاخبة، وننتظر أن يتمخض عنها ما ينقذ حافلتنا الماخرة عباب الفضاء في الطرف القصي لمجرة درب التبانة.

دعوني أسخر أكثر وأكثر من صديقي الهائم في أحلامه وأشجانه دون أن يعتاد الزفير الغاضب، دعوني أسخر منه، وهو يتمنى لو أن الأرض حافلة ركاب، ليقف فيها صارخا، بعد أن يطرق بعنف على الزجاج بقطعة نقد، قف يا معلم، أريد النزول هنا.

أين ستنزل أيها الأبله؟ الحافلة مهدك ولحدك لا مهرب ولا مناص؛ فحتى مشروع "البشرية وكواكبها المتعددة" الذي شرع به منذ سنوات "إيلون ماسك"، نراه الآن مقصيا منسيا، وصاحبه يلهث لتحصيل ثمانية دولارات من أصحاب الحسابات الزرقاء الموثقة. شاركنا الألم أو الأمل أيها العصفور الحر، ولو بتغريدة مدفوعة الثمن.

مَن سخر منهم أو من سلسلة قممهم حين قالوا إن اللقاء في غلاسكو فرصة أخيرة لوضع العالم على المسار الصحيح للحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة. وبعدما قطعنا مسافة صفر، ونحن نختنق بحافلتنا الساخنة متكدرة الأجواء والأمزجة، ها هي قمة شرم الشيخ تحمل عنوانا بارزا يتمثل في "اللحظة الفارقة". فمن يجرؤ على السخرية من انفصام الشعارات ومراوحتها المعنى نفسه، أو من جدوى السلاسل كلها لا سمح الله؟

سينتج عن القمة ما نتج عن سابقتها تماما، لا فرق ولا ما يحزنون.. اتفاقيات غير ملزمة لمواجهة الظاهرة المناخية المعقدة التي تهدّد الحياة في حافلتنا.. سيقولون إنها لحظة تستحق التأمل؛ كونها تفرق بنا من اللامبالاة إلى التغافل، وصولا إلى غض الطرف عن مآلات اختناق أكيد لكوكب يغص بحياة قررنا أن نهدرها بغباء واستسهال.

السخرية الأكثر وجعا أن الدول المنتجة للغازات المسببة للاحتباس الحراري تتملص من واجبها الأخلاقي بشكل أو بآخر، وأن الدول الفقيرة التي لا تصنع شيئاً نراها تدفع فاتورة التدهور المناخي على شكل فيضانات وجفاف ومجاعات.

حافلتنا ليست بحاجة إلى قمم بروتوكولية لمقاربة ظاهرة الاحتباس الحراري، بل تحتاج قمما أممية حقيقية تسهم في تحرّر الضمير الإنساني من محبسه وقمقمه أولا وأخيرا، ليلتفت بصدق إلى ما صنعت يد البشر من خراب وتدمير في بيتهم الوحيد ويحاول إصلاحه.

العالم يعاني انحباسا ضميريا أكثر من معاناته انحباسا حراريا، وإلا ما الذي يجعلنا نصمت على حافلة نختنق بها، وتختنق بنا، دون أن نطرق زجاجها صارخين غاضبين؟

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com