لبيد يخوض مغامرة محسوبة
لبيد يخوض مغامرة محسوبةلبيد يخوض مغامرة محسوبة

لبيد يخوض مغامرة محسوبة

لأول مرة، منذ انتخابات 2019، يقف موضوع الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في صلب المعركة الانتخابية الخامسة، التي ستجري في مطلع نوفمبر القادم.. والفضل في ذلك يعود إلى خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد، في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ولكي نعرف كم هذا التغيير مهم وإيجابي، رغم الأهداف الحزبية التي تقف وراءه، يجب أن نتذكر أن لبيد نفسه وكل حلفائه من اليمين واليمين الليبرالي وأحزاب الوسط، سعوا بكل قوتهم لطمس هذا الموضوع في كل واحدة من المعارك الانتخابية الخمس التي جرت خلال ثلاث سنوات ونصف السنة الأخيرة.

سبب الطمس يعود إلى "التقليد" المتبع منذ حوالي ستين سنة في السياسة الإسرائيلية، باستثناء معركتي الانتخابات في سنة 1992 و1999..

ففي العادة، كان قادة الجناح الأوسط في الساحة الحزبية ينافسون اليمين في ملعب اليمين، ويحاولون البرهنة على أنهم أكثر تشددا وصلابة من اليمين في التعامل مع الفلسطينيين والموضوع الفلسطيني، وكان الهدف من ذلك هو كسب أصوات من اليمين، ولكن الجمهور اليميني لم يقبض هذه العملة وأظهر كل مرة أنه يفضل اليمين الأصلي وليس المزيف.

ولذلك اختاروا اليمين في الحكم، من سنة 1977 و1981 و1984 عبر انتخابات سنة 1996 و2001 و2009 و2013 و2015 وحتى المعارك الأخيرة.

وفي انتخابات 2021، حصلت حالة غريبة، حيث إن المعركة دارت على رأس شخص واحد هو بنيامين نتنياهو، وفاز فيها تحالف غريب لثمانية أحزاب من أقصى اليمين وحتى أقصى اليسار ومعها حزب عربي تابع للحركة الإسلامية، وكان الموضوع الأساس "ضد نتنياهو".

خسر نتنياهو الحكم، ولكنه نجح في الحفاظ على معسكره في المعارضة وتمكن من فرط حزب رئيس الحكومة نفتالي بنيت "يمينا" وتمزيقه تماما فسقطت الحكومة وتولى لبيد رئاسة فتاتها.

نتنياهو يخوض هذه المعركة على طريقة "عليّ وعلى أعدائي يا رب"، ويبني خطته الانتخابية على فكرة أنه "القائد القوي مقابل لبيد الضعيف"، وأنه "الوحيد الملائم لمنصب رئيس حكومة".

المستشارون المهنيون في محيط لبيد يبنون خطتهم الانتخابية على صد ادعاءات نتنياهو ومحاولة البرهنة على أن لبيد أيضا قائد وملائم لمنصب رئيس حكومة، وقد حقق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية وإدارية تعزز مكانته، وتجند إلى جانبه كلا من الجيش الإسرائيلي والإدارة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، الذين يوجد لهم حساب مفتوح مع نتنياهو..

لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن هذا لا يكفي، وأن الإسرائيليين حائرون ولكنهم يميلون أكثر لنتنياهو. لذلك قرر لبيد ومستشاروه أن يحدثوا انعطافا في اتجاهات المعركة الانتخابية، فاختاروا تضمين خطاب لبيد تأييده لحل الدولتين.

لقد كانت هذه مغامرة سياسية كبيرة؛ لأول وهلة يبدو أنها حتى مقامرة، فالجمهور الإسرائيلي الذي كان في الماضي يؤيد بغالبيته حل الدولتين، تراجع عن الفكرة بنسبة حادة (حسب استطلاع المعهد الإسرائيلي للديمقراطية)..

وإذا كان 54% منه يؤيدها في سنة 2017، فقد هبطت نسبة المؤيدين إلى 46% في سنة 2019 وإلى 39% في سنة 2022، وبين اليهود بلغت النسبة 31% فقط، بينما بلغت بين العرب في إسرائيل 60%، وهذا يعني أن لبيد لم يقل الحقيقة عندما تحدث عن "غالبية التأييد"، خلال خطابه في نيويورك.

إلا أن هناك من يراها "مغامرة محسوبة"؛ فأولاً، التراجع في تأييد حل الدولتين حصل أيضا لدى الناخبين العرب من فلسطينيي 48 (من 79% الى 60%)، ففي صفوفهم ترتفع نسبة التأييد لحل الدولة الواحدة من منطلق "العودة إلى الجذور"، فهم يقولون إن حل الدولة الواحدة هو في الأصل اقتراح حركة فتح التي تأسست في سنة 1964، وهو يشكل ضربة للحركة الصهيونية.. وهناك قوى يهودية في اليسار الإسرائيلي الراديكالي باتت تؤيد الدولة الواحدة، وليس فقط من اليمين المتطرف.

وثانياً، يطمح لبيد أن يؤدي طرح موضوع السلام على هذا النحو إلى رفع المعركة الانتخابية من حالة النوم والكسل إلى حالة اللهيب والحماس، فإن لم يكسب الحكم فسيكسب جمهورا جديدا من المحبطين.

وهو يرمي ثالثاً الى إثارة الناخبين العرب، الذين أصيبوا بالإحباط من الانقسامات في صفوف قيادتهم وأحزابهم، فقرر المزيد منهم الامتناع عن التصويت. ولكن عندما يطرح موضوع القضية الفلسطينية وعملية السلام على الطاولة، يفتح بابا للأمل فترتفع نسبة التصويت.. كل ارتفاع في نسبة التصويت للعرب يزيد من صعوبة عودة نتنياهو الى الحكم.

ورابعاً، لبيد يعرف أنه يحتاج الى أعجوبة إلهية حتى ينتصر على نتنياهو في هذه الانتخابات، ولذلك فإنه في الوقت الحاضر يخطط لأن يمنع فوز نتنياهو بـ61 مقعدا.

وعندها يتوجهون إلى انتخابات سادسة يخوضها بشكل أقوى، حيث سيظل رئيس حكومة حتى تقوم حكومة أخرى، وطالما هو رئيس حكومة فإنه يعزز مكانته الشخصية وربما يفتح الطريق لإعادة الأمل لمن ينشد السلام وإنهاء الاحتلال وما يحمله معه من عنف ونزيف.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com