الدولة في خطابين
الدولة في خطابينالدولة في خطابين

الدولة في خطابين

خطابان اثنان، انتظر المعنيّون بالقضية الفلسطينية سماعهما من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة: واحدٌ ليئير لبيد والثاني لمحمود عباس.. كلا الخطابين سبقهما تمهيد إعلامي واسع النطاق روّج لأهميتهما الاستثنائية، بما سيحملانه من "جديد" في المواقف، وتحوّلات في النظرة.

لبيد عبّر عن تأييده الشخصي، كواحد من غالبية إسرائيلية كما زعم، مؤيدة لـ"حل الدولتين"، شريطة أن تكون الدولة الفلسطينية "مسالمة".. لكن عندما أدرك رئيس الحكومة الإسرائيلية، المنتهية ولايته أصلاً، الأسئلة "الصُراح" توقف عن "الكلام المباح"، فلا حديث عن "مفاوضات" ولا "مرجعيات".. لا حديث من أي نوع يجعل ما ورد في خطاب لبيد انقلاباً في المشهد الإسرائيلي، بل يمكن القول إن خطاب لبيد اليوم أعادنا، مع كثير من القيود، إلى خطاب بار إيلان لنتنياهو في العام 2009، إن كنتم تذكرون.

لبيد لم يقل شيئاً زيادة عمّا قاله نتنياهو قبل 13 سنة، لكن الأخير وجدها فرصة سانحة للانقضاض على الأول، فكال له الاتهامات بأنه بدد في يوم ما نجح هو في تحقيقه طيلة سنوات من العمل الدؤوب: إسقاط القضية الفلسطينية من جدول الأعمال الدولي..

وكما كان متوقعاً، فقد انبرى معسكر اليمين بمختلف ألوانه للهجوم على لبيد، حتى شريكه في الائتلاف نفتالي بينيت وضع خطابه في خانة التفريط بالحقوق "الإلهية" للشعب المختار..

نجح لبيد في كسب تأييد واشنطن وثنائها، وحصل على ترحيب مشروط من قبل القادة العرب، وفشل في كسب ودّ الإسرائيليين.

ربما يكون لبيد أكثر ميلاً لنظرية "الانفصال عن الفلسطينيين" من نتنياهو، لكن ظروفه اليوم أشد صعوبة من ظروف سلفه، فالمجتمع الإسرائيلي ينزاح منهجياً نحو التطرف الديني والقومي، وقبل مناقشة السؤال عن "رغبة" الرجل في ترجمة "حل الدولتين"، يتعين التدقيق في "قدرته" على فعل ذلك، وفي ظني أن لا رغبة ولا قدرة لديه للوفاء بما باح به في نيويورك، اللهم إلا إن كان يقصد دولة من قماشة "صفقة القرن"، وربما في طبعة أكثر سوءاً ورداءة منها.

أما خطاب الرئيس عباس فقد كان مفعماً بالمراجعات التاريخية، وانطوى على جرعات نقدية لاذعة طاولت إسرائيل ومن أنشأها ودعمها ورعاها، لندن في البدء وواشنطن من بعدها، وهو قدّم عرضاً واستعراضاً لمسارات انهيار عملية السلام وحل الدولتين..

ويمكن القول إنه نجح بامتياز في تقديم الأدلة والبراهين على فشل خياراته ورهاناته هو بالذّات: لقد قدمنا كل شيء ولم نحصل على شيء، هذا هو ملخص عرضه واستعراضه، ولو أن أشد خصومه ومنافسيه الفلسطينيين حاول تقديم مرافعة ضد أوسلو وخيارات الرئيس ورهانات التفاوض، لما نجح مثلما نجح عباس نفسه.

أخبرنا الرئيس بنبرة فيها الكثير من "السخرية السوداء" بأن لا شريك إسرائيلياً في عملية السلام، وأن واشنطن لا تريد إنهاء الصراع ولا تعمل لذلك، والمجتمع الدولي أدار ظهره لفلسطين، والعرب كلٌ في حاله، وجبل القرارات الدولية يتراكم من دون جدوى..

بيد أنه لم يخبرنا بما سيفعله لتغيير الحال بحال أفضل، لم يرسم ملامح استراتيجية جديدة كما كان منتظراً، ولم يفِ بتعهده في خطاب العام الفائت، من على المنصة ذاتها، عندما "منح" إسرائيل والمجتمع الدولي مهلة عام واحد لإنهاء الاحتلال قبل أن يقرر فعل شيء مغاير.

لا شيء مغايرا في خطاب الرئيس الفلسطيني، ويمكن اختصاره بكلمات قليلة: المزيد من الشيء ذاته، على الرغم مما أثاره من مشاعر وأشجان، وما تحلى به من جرأة ممزوجة بروح الفكاهة، واختلاط الفصحى بالعامية الفلسطينية عند التعبير عن المواقف الأكثر حساسية والأشد مأساوية.. لا جديد في خطاب الرئيس.

عاد لبيد لإسرائيل لمتابعة "كاسر الأمواج" في شمال الضفة، وإعطاء تعليمات لسفيريه في واشنطن ونيويورك بإسقاط أي مسعى فلسطيني لانتزاع اعتراف بالدولة كاملة العضوية.. أما الأنباء من واشنطن فتقول بأن بعثتها لدى الأمم المتحدة تلقت التوجيهات بإحباط المسعى الفلسطيني.

وعاد الرئيس عباس لمزاولة يومياته المعتادة.. لا شيء يتغير، وإن كتب الله له عاماً إضافياً سيورد هذه الوقائع في خطاب الشكوى والمظلومية الذي سيلقيه أمام الجمعية العامة 2023، فليس لديه ما يفعله خلاف ذلك، على ما فهمنا من خطابه.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com