اتجاهات

هل ستقود جيورجيا ميلوني إيطاليا إلى فاشية جديدة؟

خيرة الشيباني

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية

+A -A
تاريخ النشر: 23 سبتمبر 2022 6:38 GMT

هل ستُسقط سليلةُ أبٍ شيوعي بلدها في فاشية جديدة؟ السؤال يخُص جيورجيا ميلوني، رئيسة حزب فراتيلي ديتاليا (أخوة إيطاليا)، أبرز المترشحين في سباق الانتخابات

هل ستُسقط سليلةُ أبٍ شيوعي بلدها في فاشية جديدة؟

السؤال يخُص جيورجيا ميلوني، رئيسة حزب فراتيلي ديتاليا (أخوة إيطاليا)، أبرز المترشحين في سباق الانتخابات التشريعية الإيطالية التي ستُسفر عن نتائجها النهائية يوم الأحد، 25 سبتمبر القادم.

استطلاعات الرأي تُبرز تفوق وزيرة الشباب السابقة، في حكومة برلسكوني الرابعة، في هذا السباق، إذ إنها تتقدم بحوالي عشرين نقطة على منافسها الأبرز إنريكو لينا مرشح يسار الوسط، وضمن التحالف الذي يجمعها بماتيو سالفيني رئيس ”الليجا ”(الرابطة)، وبوسط اليمين ممثلا في برلسكوني عن حزب ”فورزا إيطاليا ”، تتفوق على حليفيها مُجتمعين بحوالي 25 بالمئة.

وإذا ما صحّت استطلاعات الرأي هذه، فإنه يكون على ابنة حي القارباتيلا، حي الطبقة العاملة بروما، أن تستعد لتشكيل الحكومة، وبذلك ستكون أول امرأة في بلدها تشغل مثل هذا المنصب المركزي الرفيع، وأول امرأة تتولاه من أقصى اليمين.

مثل هذا الاحتمال يثير فزع العديد من الأوساط الأوروبية، خاصة إثر اختراق اليمين المتطرف دولا عديدة من القارة العجوز، وعلى رأسها السويد ذات التقاليد الاشتراكية العريقة، كما أنه يثير أيضا فزع قطاعات هامة من المجتمع الإيطالي الذي عاش خلال العشرية الماضية العديد من الأزمات السياسية.

المفارقة من مواقف الناخبين الإيطاليين من مرشحة اليمين الراديكالي أنهم، سواء أبدوا حماسهم لها أو أعلنوا رفضهم التصويت لصالحها، أنهم يقدمون تقريبا الأسباب والمبررات نفسها لمواقفهم منها، وأساسا ثبات مواقفها والانسجام مع مبادئها.

كان واضحا أن هوية معادية للشيوعية ستتشكل لابنة الخامسة عشر، التي تركها والدها الشيوعي هي وأختها ووالدتها ليهاجر إلى فنزويلا، وهي تطرق أبواب ”الأليانزا ناسيونالي“(التحالف الوطني) الذي تناسل من ”الحركة الاجتماعية الإيطالية ”، وهو حزب ما بعد الفاشية تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية مواصلا الإرث الأيديلوجي لبينيتو موسوليني.

في سيرتها الذاتية الصادرة العام 2021، تذكر جيورجيا ميلوني أنها وجدت في هذا الحزب وفي قياداته ”عائلتها الثانية“.. وفي تصريح أدلت به للقناة التلفزيونية الفرنسية الثالثة تعبر عن عمق الانتماء لهذا الخط الفاشي قائلة: ”كان موسوليني سياسيا جيدا، كل ما فعله قد فعله لإيطاليا، ولا نجد ذلك لدى السياسيين الذين حكمونا خلال الخمسين سنة الماضية“.

بعد ثلاثين عاما من فورة الحماس هذه لشابة كانت في التاسعة عشر من العمر، تبحث عن أب روحي، حتى لو كان فاشيا، هل تغيرت جيورجيا ميلوني؟ وهل تخلصت من لوثة موسوليني؟

يستبعد ذلك مويسيس نعيم، المحلل السياسي الفينزويلي البارز، الذي ينشر على صفحات صحيفتي ”إل باييس“، و“واشنطن بوست“ قائلا ”إن الحياة السياسية في إيطاليا لم تتخلص أبدا من الفاشية، ففي حين فرضت ألمانيا تدابير صارمة لإبعاد النازيين عن السلطة، فإن الفاشيين السابقين في إيطاليا نجحوا في تجميع صفوفهم منذ العام 1946 تحت رعاية الحركة الاجتماعية الإيطالية الذي غير اسمه العديد من المرات، وانبثق عنه ”فراتيلي دي تاليا“ الذي ترأسه ميلوني“.

يلخِّص شعار الحزب ”الله، الوطن، الأسرة“ هذا التوجه اليميني المتطرف؛ فهو يكرس القيم المسيحية العالمية، ويدعو للأسرة التقليدية المحافظة والبيضاء، كما تنادي جيورجيا ميلوني باتخاذ إجراءات صارمة لصدّ هجرة الأجانب إلى بلدها، هذا فضلا عن علاقاتها الوطيدة مع اليمين المتطرف الإسباني ”فوكس“، والمحافظين المتطرفين البولنديين، واليمين المتطرف السويدي، وعن إعجابها بفيكتور أوربان رئيس وزراء المجر، الذي حمله حزبه اليميني المتطرف ”الاتحاد المدني“ إلى هذا المنصب.

إلا أن المحلل الفنزويلي يُدقق الأمر قائلا، إن اقتراب جيورجيا ميلوني من السلطة لا يتصل بحنين الشعب الإيطالي للدوتشي، حتى لو أن النائبة الإيطالية لم تتخلّ تماما عن إرثه، بقدر ما يتصل برفض الشعب الإيطالي للطبقة السياسية الحالية..

وربما هنا تكمن قوة جيورجيا ميلوني في أنها تفادت الالتحاق بالتحالف الوطني داخل الحكومات الأخيرة، والذي أفقد ماتيو سالفيني الكثير من شعبيته وقلص بالتالي قاعدته الانتخابية..

وهذا ما عنيناه بالقول سالفا إنها ظلت وفية لمبادئها، بل أكثر من هذا عبرت عن ذكاء سياسي في عدم المشاركة في حكومات غير مستقرة وفاشلة، وظلت في المعارضة.

وبسبب مرورها الوحيد والقصير في السلطة كوزيرة للشباب من سنة 2008 إلى سنة 2011؛ تجنبت جيورجيا ميلوني عدم الثقة في شخصها كما أنها بَدَت وكأنها جديدة على السلطة ولم تتلوث بها.

السياق الدولي وأثر الحرب الأوكرانية – الروسية على اقتصاديات العالم ومن ضمنها الاقتصاد الإيطالي، وبالذات في ملف الطاقة، قد يلعبا دورا أيضا في ترجيح كفة رئيسة حزب ”فراتيلي ديتاليا“ في حصول حزبها على الأغلبية في الانتخابات التشريعية، باعتبار فشل سالفيني وبرلسكوني في إدارة الأزمات الاقتصادية الماضية لبلدهما.

ولكن، ماذا لو بقيت جيورجيا ميلوني وفية لإرث موسوليني وقادت إيطاليا إلى نهاية منطقه المتطرف الفاشي؟ وماذا يمكن أن يكون موقف أوروبا من توسع اليمين المتطرف إلى هذه الحدود؟

لقد أُحبطت كل خطط القادة الإيطاليين للاستمرار في السلطة ـ بسبب نظام سياسي ودستوري شديد التعقيد، فمنذ الحرب العالمية الثانية شهدت البلاد 69 رئيسا للحكومة، يجيبنا مويسيس نعيم، أما عن المخاوف الأوروبية من هذا التمدد فإن المحلل الفنزويلي يضيف: أن الديمقراطيات الأوروبية القديمة قوية بما يكفي لمقاومة الاعتداءات المتكررة التي ترغب في القضاء عليها.

يمكن أن نضرب لملاحظة مويسيس نعيم، فرنسا مثلا على هذا الانتصار لما يمكن أن يَقرض الديمقراطيات الأوروبية من الداخل، ولكن ”ما كل مرة تسلم الجرة“، فهشاشة الوضع الاقتصادي الحالي في فرنسا، وتشتت اليسار وانقسام وسط اليمين يجعلها عرضة لأي هزات يمكن أن تحدثها رياح اليمين المتطرف العاصفة التي اكتسحت أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وهي رياح قادتها، في كثير من الأحيان قيادات نسائية.

فهل من علاقة بين المحافظة والتطرف والنساء، عندما يتعلق الأمر بالسياسة؟

بالنسبة لي، المتمردة دوما (بشيء من المبالغة)، يحتاج السؤال إلى قدر كبير من الحيادية، قبل التمكن من معارف علم النفس والأنتربولوجيا، للإجابة عليه.. وقد نجيب عليه في مقال قادم..

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك