"جالاتيا" الكتابة المُعلبة
"جالاتيا" الكتابة المُعلبة"جالاتيا" الكتابة المُعلبة

"جالاتيا" الكتابة المُعلبة

بعد أن دخلتُ الكتابة الصحفية اليومية من بوابة الأدب؛ اقترح عليّ صديق آلمهُ ما سأكابده من مخاضات تخرمش الروح وتجرّحها في ولادة مقالة لربما تتيسر حينا، وتتعسر أحياناً، أن أحبسَ نفسي يوم السبت؛ لأعدّ مقالاتي الخمس المطلوبة دفعة واحدة، ثم أستريح متفرغاً للقراءة والموسيقى وجنون التحليق، على حدّ قوله، ثم نظر في عينيّ صارخاً بأني مجرم حقيقي، إذ كيف أطعم روحي لمحرقة الصحافة الشرهة..

هززت رأسي متمتما، بأن اقتراحه مقنع نظريا إلا أن القارئ لا يقبل منا خبزا بائتا جافرا، فالصحافة أدب في النهاية، لكنها أدب مختلف تماما؛ هي أدب اللحظة بشتى أطيافها وأخلافها.

تذكرت النصيحة أول أمس في معرض حديثنا عن كاتب بات يصدر رواية أو روايتين في العام، أحد الأصدقاء يتوقع أنه يستعين بالذكاء الاصطناعي لإنتاج هذا القطيع من كتابات كلها بنفس النكهة والملمس واللون والجفاف..

وقال آخر، وهو كاتب صحفي يومي، بأنه لا يستبعد الحالة، بل وأسر لنا بأنه يفكر جديا في جعل الذكاء الاصطناعي بديلا عنه في دنيا الكتابة، فعالمنا حسبما يرى لم يعد يحتاج كثيرا من مشاعرنا الجياشة كما نتوهم.

استبعدت صحة خبر أن شركة "جوجل" سرّحت أحد مهندسيها في الذكاء الصناعي قبل أيام؛ بعد إقراره بأن أحد الروبوتات يملك وعياً ذاتياً..

استبعد القصة كلها لأن ذلك الذكاء تجاوز بالفعل القوة الفكرية للدماغ البشري قبل الموعد المتوقع، حتى أن سيارة "تسلا" الكهربائية ستكون أكثر ذكاءً من البشر بحلول عام 2033.

لا أريد أن أطرق السيناريو السينمائي الذي يرى بأن كرتنا الأرضية ستؤول إلى قبضات الريبوتات يوما ما، وأننا سنغدو عبيدا لها بشكل أو بآخر، ولا أريد أن أرى أن "إيلون ماسك" صاحب شركة "تسلا"، وأثرى رجل في العالم، ما كان له أن يفكر في إنشاء مستعمرات فضائية، إلا لتوقعه بتعرض الجنس البشري لخطر الانقراض بيد آلات صنعناها..

ما أريد قوله إن الإبداع الاصطناعي قادم لا محالة، بل ولربما أنه بعد أقل من 100 عام سيفوز برنامج ريبوتي بجائزة نوبل في الآداب، بعد أن يراكم إنتاجا متفوقا، لكنه سيبقى شيئا آخر برأيي لا يشبه إلا "جالاتيا".

تسرد لنا الأساطير اليونانية أن النحات البارع "بجماليون" وبعد أن فرغ من نحت تمثال لامرأة بارعة الجمال هام به وعشقه، وابتهل إلى الأسياد أن تهبه امرأة بجمال تمثاله ليتزوجها، فاستجابوا مقدمين له أفضل مما طلب، فقد بثّوا نسغا من الحياة في أوصال التمثال، وكان اسمه جالاتيا، أي امرأة ببياض الحليب، فتزوجها فرحا، لكن أيامه انقلبت بصلا بعد أيام من عسل يسير، فتوسل أن تعود تمثالا حطمه ما أن انسحبت الحياة من عينيه.

لربما أن حياتنا تحتمل أن نوكل كثيرا من المهام الصعبة أو الدقيقة أو الخطرة للذكاء الاصطناعي والريبوتات لتنوب عنا فيها، كالحروب ومقارعة الأمراض والكروب، إلا أن الكتابة الحقيقية ستظل شيئا آخر عصيا على الخوارزميات والبرمجيات والريبوتات..

هي روح منا حين ندفقها من رؤوس أصابعنا في الأقلام أو الأزرار أو الشاشات، هي شيء آخر تماما، هي نحن بكل ضحكاتنا ودموعنا حين نتنضّد حروفا مقروءة أو ألوانا مرئية أو أنغاما مسكوبة من وتر كالشريان.

وستبقى الكتابة الريبوتية معلبة بمواد حافظة وألوان باهتة وتاريخ انتهاء مزيف. هي لن تشبه إلا تمثال بجماليون الذي سنكتشف فداحة جفافه قبل أن نتوسل أن تنسحب منه كهرباء الحياة؛ كي نهوي عليه بمعاول الحياة.

أخبار ذات صلة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com