نهاية حرب الدب الجريح
نهاية حرب الدب الجريحنهاية حرب الدب الجريح

نهاية حرب الدب الجريح

يحق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يتحدّث ببرود عن فشل التكتيكات الغربية في تدمير اقتصاد بلاده المحاصرة بالعقوبات والقرارات، أن يحشو أذنيه طينا وعجينا، ويتعامى عن فشل قواته في الصمود أمام القوات الأوكرانية بهجومها المضاد على إقليم خاركيف..

يحق له حتى أن يسمّي هذه النكسة الواضحة كفضيحة في قرية إعادة تجميع أو توزيع أو انسحابا تكتيكيا أو استراحة بين الشوطين..

يحق له، وهو يلعق جرحه الفاغر النازف، أن يعلن بثقة عن تحقيق كامل أهداف حملته العسكرية الخاصة على جارته، وأنه في الرمق الأخير نحو تهيئة بيئة خصبة لاستنبات عالم جديد يكتب بفأسه دستوره ويسن قوانينه وأنظمته.

صانعو الحروب والمآسي على مرّ التاريخ الإنساني رتعوا دوما في وهم ينوف عن آلام الناس وآمالهم، هم ينظرون بعدسات مقعرة إلى أشياء كان من الأولى تمحيصها بعين مجردة غير ذات حول أو عمش أو قصر نظر، بل وينغمسون في ذواتهم حدّ الاختناق بكربون غلهم، لا يسمعون إلا ما يريدون، ولا يرون إلا ما يشتهون.

وبوتين ومنذ أن تدثر بعباءة بطرس الأكبر، وتدرع بأبهة الإمبراطورية، وبوهم استعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي الغابر، يعيش حالة فريدة من النكران، ويعاني انفصاما تلقاء ما يجري حوله بدءا من إخفاقه في قراءة مشهد ما قبل العدوان، وتوقع ردود الأفعال الأوكرانية والغربية، وليس انتهاء بأنه لم يقس قبل أن يغوص تلك الغوصة الحمقاء ويجد نفسه عالقا في وحل حتى ترقوته وأبعد.

في خطابه بمدينة فلاديفوستوك الروسية على المحيط الهادئ، قال إن بلاده لم تخسر وسوف تحقق كل الأهداف المرسومة أو الموسومة، قال هذا والناس تقرأ وتسمع وتعي الحقائق، ودون أن يطنّ في باله أن سؤالا بديهيا لربما يخدش صمت من حوله، ويقول كيف يا سيادة الرئيس تفسر استيراد روسيا للمسيرات الإيرانية، والذخيرة والصواريخ من كوريا الشمالية، أم أن هذا جزء من تلك الأهداف؟

أكثر من 200 يوم مرت على تلك الحرب العدائية. فما الذي تحقق غير الخسران والدمار والقتل وبث أشباح الجوع في شعاب العالم وفيافيه.. ملايين المشردين والقتلى والموجوعين والمبعدين عن بيوتهم ولا أحد يقول إلا ما يريد الرئيس سماعه والطرب عليه.. لا صوت يعلو على نبرة صوته أو همهمة صمته..

وهل يجرؤ أحد ويقول بأن الخطوة التي خطوتها يا سيدي الرئيس كانت عبثية تستدعي الهاوية؟ من يستطيع أن يقول بعضا من هذا وقد أحاط نفسه بمن لا يجيدون إلا هزهزة الروؤس، ويتقنون فن الصمت في وجه الجبروت؟

سيخسر بوتين الحرب كلها، وليس هذه المعركة فحسب، ليس لأن كل معتد خسران ولو طال الزمان كما سردته علينا الأدبيات الإنسانية، بل لأنه تعامل بغطرسة وتعال مع الحقائق قبل خصومه، بخل في تقدير قوة من يواجههم، مع مبالغة كبيرة في تقدير قوته ومضاعفتها أضعافا كثيرة..

سيخسر لأنه نسي أن يأخذ في الحسبان أن الأوكرانيين ومنذ الطلقة الأولى قذفوا زجاجات الفودكا في الجدران صائحين بأن اليوم أمر لا خمر، هم يدافعون عن أرضهم وحياتهم بمعنويات عالية حاشدة، وسيكسرون خصمهم رغم أن البعض يدّعي أن الغرب لا يريدون لبوتين أن ينكسر، بل يريدون ردعه فقط.، وأنهم يخشون ضراوة الدب الجريح الذي قد يهدم المعبد على رؤوس الجميع في لحظة يأس.

إرم نيوز
www.eremnews.com