اقرأ الآخر
اقرأ الآخراقرأ الآخر

اقرأ الآخر

ليس مصادفة أن "اقرأ" كانت أول ما نزل من القرآن الكريم، وهي تحمل الكثير من المعاني، وليس فقط إرشادا إلهيا بضرورة التعلم..

ولعل أحد أهم المعاني الذي نحتاجه اليوم هو أن نقرأ بمعنى أن نعرف، فأنت لا تستطيع السفر دون أن تقرأ الخريطة، ولا تفلح بعمل اقتصادي دون أن تقرأ الحقل الذي تعمل فيه، ولا تقدر على العمل في السياسة دون أن تقرأ الواقع الذي تعيش فيه، ولن تتمكن من هزم خصم دون أن تقرأ أحواله، نقاط ضعفه وقوته، ولا تستطيع إبرام اتفاق مع جهة ما من دون أن تقرأ جيدا نوايا شريكك في الاتفاق.

وكم نحتاج نحن العرب، اليوم، أن نقرأ ما يدور في الطرف الآخر من الحدود، كل الحدود وفي كل الاتجاهات، وأكثر ما نحتاج إلى قراءته هو ما يدور في إسرائيل، حيث نحتاج إلى قراءة رتيبة وعميقة ومجردة من العواطف والمواقف المعروفة وبعيدا عن المواقف المسبقة.

ففي هذه الأيام، تدور نقاشات حادة في الحلبة السياسية وأطرافها حول السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، فالسياسيون والعسكريون وضباط المخابرات والخبراء والصحفيون والباحثون، يشاركون كلهم في هذا النقاش، على ضوء العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الاحتلال في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلة وعمليات المقاومة الجريئة التي يواجه الفلسطينيون بها هذه العمليات.

فكما هو معروف، بعد سقوط حكومة بنيامين نتنياهو في يونيو من سنة 2021، تشكلت في إسرائيل حكومة بتركيبة غير عادية، تضم 8 أحزاب، من أقصى اليمين المتطرف وحتى اليسار الراديكالي، بل وحتى مع "القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية"..

وما أمكن تجميع هذه القوى المتناقضة هو عداؤها لنتنياهو ورغبتها الجامحة للتخلص منه، لأنه منذ تورطه في قضايا الفساد والتي وضعته في قفص الاتهام في المحكمة، وهو يسخر كل أدوات الحكم بين يديه لضرب الجهاز القضائي وتقييد صلاحياته وتكبيل أيديه..

وكان نتنياهو قد بادر لحملة تحريض غير تقليدية ضد الجيش وقادته وضد عدد من أذرع الأمن، لأنهم لم ينساقوا وراءه في خططه لتهديد إيران في سنة 2011- 2012. ولذلك، انضم الجيش الإسرائيلي وغيره من أجهزة الأمن إلى الحملة ضد نتنياهو، ولو أنهم فعلوا ذلك بشكل غير مباشر.

ومن سمات هذه المرحلة أن الجيش، الذي اعتاد على شن حرب مرة في كل ثلاث أربع سنوات بالمعدل، أوقف الحروب من سنة 2014 وحتى سنة 2021، حتى لا تتحول إلى أحداث يستغلها نتنياهو لمصلحة التملص من المحكمة.

ولكن، ما إن سقط نتنياهو حتى فجر الجيش عملية حربين على غزة، في مايو 2021 وفي يوليو 2022، وجنبا إلى جنب مع ذلك تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلي أوسع عمليات اعتقال في شتى أنحاء الضفة الغربية بشكل يومي، منذ تشكيل حكومة التغيير بقيادة نفتالي بنيت ثم يائير لبيد، شملت حتى الآن أكثر من 1500 معتقل..

وتتم كل عملية اعتقال بحملة عسكرية ضخمة بمشاركة مئات الجنود والسيارات المصفحة وتستخدم في بعض الأحيان طائرات مسيرة، وهي تخترق الأحياء في قلب المدن الفلسطينية، وعادة ما تسفر عن اشتباكات مسلحة وسقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى، فضلا عن التنكيل بالمواطنين الفلسطينيين وتقييد حرية تنقلهم وتركهم فريسة لهجمات المستوطنين والمشاريع الاستيطانية.

في الشارع الفلسطيني يعتقدون أن حكومة بنيت لبيد التي استبدلت نتنياهو سقطت نتيجة لضعفها وهذا هو الوقت الذي يوجهون فيه الضربة لها، أولا عقابا لها على رفضها الدخول في تسوية وثانيا عقابا لها على ممارساتها البشعة، وهم لا يقرؤون الخريطة الإسرائيلية جيدا، ولا يدركون أن الجيش يستخدمهم اليوم في حربه مع نتنياهو..

الجيش ينسجم اليوم مع لبيد ويحاول إظهاره "رئيس حكومة قويا" على أكتاف الفلسطينيين، وهو مستعد لفعل أي شيء لاستيفاء هذا الغرض، وهناك من يقدم له الأدوات والحجج والذرائع.

ولكن في إسرائيل أيضا باتوا يقرؤون خطأ الخريطة الفلسطينية، فقد حسبوا أن الفلسطينيين سيقبلون استخدامهم أداة في هذه المعركة، وها هم يردون بسلسلة عمليات مقاومة شديدة المراس.

ويرى العديد من الإسرائيليين العقلاء، الذين يجيدون قراءة الخريطة الفلسطينية، أن حكومتهم ترتكب حماقة كبرى في هذه الممارسات، ويحذرون علنا أن من يريد لبيد قويا أمام الجمهور في الانتخابات القادمة، قد يجده ضعيفا جدا في حال تدهور الوضع إلى انتفاضة، مثلا، أو إلى نجاح المسلحين الفلسطينيين في عملية أو أكثر في المدن الكبرى، فيصيبه ما أصاب شمعون بيريز سنة 1996، عندما خسر الانتخابات وأصبح لقبه "المهزوم الدائم".

أخبار ذات صلة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com