اتجاهات

روسيا والغرب.. حرب الطاقة تشتعل

ناصر التميمي

ناصر التميمي

كاتب وباحث - متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الخليجية-الصينية

+A -A
تاريخ النشر: 11 سبتمبر 2022 20:08 GMT

تتصاعد المواجهة الاقتصادية بين روسيا والغرب بطريقة محمومة، حيث تتصور جميع الأطراف أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة. لقد أجبرت

تتصاعد المواجهة الاقتصادية بين روسيا والغرب بطريقة محمومة، حيث تتصور جميع الأطراف أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

لقد أجبرت الإجراءات الروسية المضادة للعقوبات الغربية غير المسبوقة الحكومات الأوروبية على اتخاذ إجراءات صارمة لم يكن من الممكن تصورها سابقًا، لحماية أسواق الطاقة واقتصاداتها من تداعيات قد تبدو كارثية.

في المقابل، يستعد الغرب لرفع سقف المواجهة الطاقوية إلى مستويات أعلى قد تنذر بعواقب وخيمة؛ بداية تستعد مجموعة السبع لفرض السقف السعري على النفط الخام الروسي، في شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل، بينما يلوح بعض أطراف الاتحاد الأوروبي بفرض سعر سقف سعري آخر على واردات الغاز الروسي.

روسيا من جهتها صعدت من لهجتها الدبلوماسية، حيث حذّر ألكسندر نوفاك، وزير الطاقة في روسيا، من ”انهيار“ أسواق الطاقة في أوروبا، مشددًا على أن ”الشتاء قادم، وأشياء كثيرة يصعب التنبؤ بها“، لكن الرئيس بوتين ذهب أبعد من ذلك بالقول: ”لن نقدم أي شيء على الإطلاق إذا كان يتعارض مع مصالحنا. لا غاز، ولا نفط، ولا فحم، ولا وقود، ولا شيء“.

ورغم هذه الخلفية المتوترة تتزايد الثقة في العواصم الأوروبية بأن أوروبا يمكن أن تمر بفصل الشتاء دون اضطراب اقتصادي واجتماعي حاد أو تقنين للطاقة.

مع ذلك، لا يزال قادة الاتحاد الأوروبي على دراية بالألم الاقتصادي الذي قد يصاحب ارتفاع فواتير الطاقة هذا الشتاء، والتكلفة المتزايدة التي تتحملها الحكومات لأجل تخفيف التكاليف الباهظة على المواطنين وقطاع الأعمال.

في ظل التوقعات بتراجع النمو وبقاء معدلات التضخم مرتفعة خلال العام المقبل، تتصاعد المخاوف الأوروبية من التداعيات السياسية والاجتماعية الخطيرة التي قد تحصل على الصعيد الداخلي، ولعل ذلك هو الذي جعل مقترحات تحديد السقف السعري على واردات الغاز الطبيعي الروسي تكافح في الحصول على دعم كبير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

يبدو أن الدول التي لا تزال تتلقى الغاز الروسي تتعامل بجدية مع تهديد الرئيس بوتين بوقف جميع الصادرات في حال تم تطبيق السقف السعري على الغاز الروسي.

كما تدرك دول الاتحاد الأوروبي أنها تتنافس على إمدادات الغاز في الأسواق العالمية، وأن آليات خفض الأسعار بشكل مصطنع يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، وقد تؤدي لوصول كميات أقل من الغاز إلى محطات استيراد الغاز الطبيعي المسال الأوروبية وبأسعار باهظة.

لكن في قطاع النفط، أكد الاتحاد الأوروبي عزمه على حظر استيراد النفط الخام الروسي، اعتبارًا من 5 ديسمبر/كانون الأول، والمنتجات المكررة، اعتبارًا من 5 فبراير/شباط 2023.

ومع الإعفاءات التي حصل عليها بعض دول الاتحاد الأوروبي، فإن الحظر ربما يشمل حوالي 2.2 مليون برميل في اليوم من النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة.

الأهم، حظر الشحن قد يكون أكثر إشكالية لأسواق النفط، لأنه يؤثر على كل صادرات روسيا المنقولة بحرا والبالغة 5.7 مليون برميل في اليوم.

وقد يكون هذا الوضع هو السبب الرئيس وراء الاقتراح الأمريكي لتحديد سقف سعري لصادرات النفط الروسي، والذي سيدخل حيز التنفيذ مع سريان الحظر الأوروبي.

لكن التلويح الأمريكي بالعقوبات لتطبيق السقف السعري من المؤكد أن يثير قلق أسواق النفط المتوترة أصلًا من احتمال مواجهة بترولية قاسية مع روسيا، علاوة على أن السقف السعري ربما يواجه في الممارسة العملية والتنفيذ عقبات متعددة لا يمكن التقليل من شأنها.

أولًا، لكي تكون إجراءات السقف فعالة، فإنها تتطلب موافقة المستهلكين الآسيويين الرئيسين للخام الروسي، لاسيما الصين والهند، اللتين لم تبديا حتى الآن أي دعم للسقف السعري.

ثانيًا، هناك خطر أن ترد روسيا بقطع الإمدادات الخاصة بها، أو خفض الإنتاج والصادرات جزئيًا من أجل رفع الأسعار.

ثالثا، لا يزال هناك عدد من الأسئلة الفنية المتعلقة بتنفيذ وإنفاذ الحد الأقصى دون حل، بما في ذلك مستوى السعر الذي سيتم استخدامه، وكيف سيتم منع المتداولين من التلاعب بالنظام، وما هي طبيعة العقوبات الأمريكية والأوروبية ضد المخالفين؟

وأخيرًا وهو الأهم، هناك سؤال حول كيفية استجابة مجموعة ”أوبك بلس“ لمثل هذه التطورات.

من المرجح أن تنظر المجموعة بشكل سلبي للسقف السعري على صادرات النفط الروسية، كما يتضح من قرارها الأخير بخفض الإمدادات إلى السوق، في أكتوبر/ تشرين الأول.

وعلى مدار العام الحالي أبدت المجموعة تفضيلها لبيئة أسعار نفط مرتفعة (بعض المصادر تقول 90 دولارًا للبرميل)، وهو أمر حاسم لأعضائها لبناء الهوامش المالية الوقائية ودعم النمو في كل من القطاعات النفطية وغير النفطية للاقتصاد، في المقابل يسعى السقف السعري بنشاط لتقويض هذه البيئة.

كما أن تحديد سقف سعر منسق من قبل مجموعة السبع من شأنه أن يشكل سابقة مقلقة وغير مريحة، قد تستخدم مستقبلًا ضد أعضاء آخرين في المجموعة أو حتى ضد أوبك نفسها.

بالتالي من المرجح ألا تقوم أوبك بلس (التي تعد روسيا عضوًا فيها) باستبدال كافة أو جزء كبير من الكميات المفقودة في أسواق النفط العالمية نتيجة تطبيق السقف السعري.

وسط كل هذه المخاوف، تتنازع أسواق النفط أيضًا تيارات اقتصادية متناقضة. من ناحية الطلب، التباطؤ في الصين، وتزايد مخاوف الركود في الولايات المتحدة وأوروبا تزيد الضغوط النزولية على الأسعار.

في المقابل، فإن انتهاء السحب من احتياطيات النفط الإستراتيجية، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، علاوة على غموض مصير الاتفاق النووي الإيراني، واحتمالات توقف الإمدادات في الولايات المتحدة نتيجة أعاصير خليج المكسيك، أو تعطلها بسبب الاضطرابات في ليبيا أو العراق ، قد يدفع الأسعار نحو مستويات أعلى.

بالمحصلة هذا الوضع قد يعمق حالة عدم اليقين والقلق في الأسواق ويزيد من التقلبات السعرية، ويحول الوضع إلى ما يشبه ”الغرب المتوحش“ أو توقع ما لا يمكن توقعه، وهو أمر لا يصب في صالح المصدرين والمستهلكين على حد سواء.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك