اتجاهات

هكذا يصوّبون على أقدامهم

نظير مجلي

نظير مجلي

كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية

+A -A
تاريخ النشر: 04 سبتمبر 2022 20:14 GMT

هناك مَن يطلق الرصاص على قدمه بالخطأ، وهناك مَن يصوّب المسدس نحو قدمه بشكل عيني ويطلق الرصاص بشكل متعمد لكي يصيب قدمه. ستقولون: "مش معقول"، وستؤكدون أن "مَن

هناك مَن يطلق الرصاص على قدمه بالخطأ، وهناك مَن يصوّب المسدس نحو قدمه بشكل عيني ويطلق الرصاص بشكل متعمد لكي يصيب قدمه.

ستقولون: ”مش معقول“، وستؤكدون أن ”مَن يفعل هذا ليس سويَّ العقل“، ولا بد من خطأ ما في التعبير“.

لا. عندنا، نحن المواطنين العرب في إسرائيل المعروفين باسم فلسطينيي 48، نفعلها، ونعتز بذلك، نشاهد قشرة الموز من بعيد ونتمتم بكلمات نحذّر أنفسنا من أن نتزحلق بها، ثم عندما نقترب منها ندوس عليها ونتزحلق فعلًا.

لا، لا أقصد الناس البسطاء منا هم الذين يقدمون على هذا، بل أقصد القادة السياسيين؛ أجل القادة السياسيون عندنا يعرفون أنهم يبنون قوتهم وشعبيتهم ومجدهم ونفوذهم بالانتخابات، أي بقرار من الناخبين. وبدلًا من إرضاء هؤلاء الناخبين وتحقيق مصالحهم، نجد هؤلاء القادة يستخفون بالناخبين، ويدوسون على مصالحهم بشكل صريخ وفظ.

لكي يكون واضحًا.. إنني من أولئك الذين يتابعون نشاط هؤلاء القادة ويعترفون بدورهم ومكانتهم وعطائهم؛ فأعضاء الكنيست العرب، من مختلف الكتل والأحزاب، يعملون كنوب برلمانيين بإخلاص شديد، وهم بغالبيتهم نشيطون.

وبحسب توثيق حركة ”شكوف“ لمتابعة عمل الكنيست، كان هناك 3 نواب من القائمة المشتركة يعتبرون من أفضل وأنشط النواب: أسامة السعدي في المرتبة الأولى، وأحمد الطيبي في المرتبة الثالثة، وعايدة توما في المرتبة السادسة.. والقائمة المشتركة للأحزاب العربية، التي يقودها النواب أيمن عودة، وسامي أبو شحادة، وأحمد الطيبي، كانت أنشط كتلة برلمانية في طرح ومتابعة القضايا الاقتصادية والاجتماعية في السنة الأخيرة.

وبالمقابل، كان نواب القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية بقيادة النائب منصور عباس من أبرز الكتل البرلمانية، وقد سجلت تاريخًا بأن انضمت لأول مرة في تاريخ السياسة الإسرائيلية، إلى الائتلاف الحكومي، وحصلت على قرارات حكومية مهمة جدًا على طريق سد هوة التمييز.

وعلى الرغم من أن القرارات لم تنفّذ بعد كما يجب، فإن رئيس الوزراء يائير لبيد يؤكد استعداده لدفع تنفيذها بقوة، لكن لدي مشكلة كبيرة مع القيادتين، وليس فقط عندي.

عندما كانت القيادتان موحدتين معًا في القائمة المشتركة حصلتا معًا على 15 مقعدًا، وعندما انقسمتا لقائمتين، عاقبهما الجمهور عقابًا شديدًا، وخفّض نسبة مشاركته في الانتخابات من 64% إلى 45% وأنزل تمثيلهما إلى 10 مقاعد (6 للمشتركة و4 للموحدة)، لكنهما لم تتعلّما الدرس ولم تكفهما هذه الصفعة، فراحتا تديران لغة خطاب عدائي بينهما، وتهبطان إلى مستوى اتهامات متبادلة بالتخوين والتكفير، جعل جمهورًا غفيرًا من العرب ينفض عنهما.

واليوم، مع اقتراب موعد الانتخابات الجديدة، التي ستُجرى، في أول شهر نوفمبر المقبل، نرى أن الجمهور العربي يبث لهما رسائل جديدة أقسى، ويقول لهما إن قطاعات واسعة أخرى منه تنوي مقاطعة الانتخابات.

وبحسب استطلاع رأي جديد، قال 61% من الناخبين العرب إنهم لن يشاركوا في التصويت. ومع ذلك، نرى هذه القيادة تمعن في سياسة الاستخفاف بالجمهور، وتذهب نحو مزيد من العداء بين السياسيين ومزيد من الانقسام في صفوفهم.

في القائمة المشتركة ينفجر صراع حول حصة كل واحد من الأحزاب الأساسية الثلاثة، كل حزب منها يطلب أن يتم تغيير تركيبة القائمة بحيث يحصل على تمثيل بنائب إضافي.

”الجبهة“ تقول إنها القوة الأكبر، ويحق لها 4 نواب من أول 6، و“العربية للتغيير“ ترى أنه يحق لها 3 نواب بدلًا من اثنين، وذلك حتى لا يخفضوا تمثيلها إلى عضو واحد في أول 6 أسماء، و“التجمع“ يقول إنه مظلوم بهذه التركيبة ويطالب بمقعد ثانٍ.

إنهم جميعًا يعرفون بأن الجمهور بات حساسًا جدًا للركض وراء الكراسي، ويلفظ ويمقت كل من يفعل ذلك، وكلهم يدركون أن كل صراع حول الكراسي والأسماء والحصص يغيط الجمهور، ومع ذلك يواصلون.

هم يفهمون أن ضررًا كبيرًا قد حصل لشعبية أحزابهم، نتيجة لهذا الأسلوب، ولم يغيروا ولم يبدلوا، بل زادوا هذا الصراع حدة. ومَن يُجري منهم حسابات صحيحة، يعرف بأن الجمهور يحترمهم أكثر إذا تكاتفوا، وإذا رفعوا من مستوى النقاش السياسي، وجعلوا العداء بينهم تنافسًا شريفًا ووديًا، وربما يتسبب ذلك برفع نسبة التصويت مرة أخرى، وزيادة عدد ممثلي جميع الأحزاب.

ومع ذلك، فإنهم يفعلون الأمر المعاكس تمامًا، فماذا نسمي هذا سوى عمل انتحاري عن سبق تعمد وإصرار، وتصويب للرصاص على أقدامهم بوعي تام؟

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك