عصر الدجاج الأبيض
عصر الدجاج الأبيضعصر الدجاج الأبيض

عصر الدجاج الأبيض

عندما بلغت المرحلة الإعدادية، عرفت جواب السؤال الذي حيرني بصمت لسنوات عدة: من أين يأتون بكل تلك القنافذ لتقديمها بإفراط في المطاعم، وإعدادها بسهولة على العربات في الأسواق، والعودة بها إلى المنازل في أكياس ورقية كما درجت العادة في الأفلام والمسلسلات المصرية؟

كان الأمر ببساطة مجرد التباس في التسمية، فالقنافذ كنا نطلق عليها في الأرياف كبابا، ومفرده الشائع كبابة، وكان صيدها بالغ الصعوبة لاختفائها نهارا، وامتلاكها قدرة عجيبة على التخفي والدفاع عن نفسها، ولولا الفقر والشوق لرائحة اللحم، أي لحم، لما غامر أحد بملاحقتها وتكبد مشقة الحيلة وصبر الانتظار للإيقاع بها، قبل معركة السلخ والطبخ، وقد سمعت أن لحمها لذيذ ولم أتذوقه قط، إذ كنا نقترب من عصر الدجاج الأبيض ووداع تقاليد الريف.

حملت سؤالي المؤرق إلى العم الذي لا أخجل في حضرته من الثرثرة، ولا أخاف من سخريته أو عقابه إن كان السؤال غبيا: كيف يصطادون ذلك الكباب؟.. من أي أرض يأتي؟.. كيف يطبخونه بهذه السرعة والسهولة، ولماذا يحبه الناس إلى هذه الدرجة؟

كان الجواب ضحكة هستيرية مبللة بالدموع، وقد أدركت على الفور أن في الأمر مفاجأة، لكنه أراحني سريعا بطريقة المعلم الحاني وأفهمني أن الكباب اسم وجبة أو طريقة لإعداد الطعام، قوامها أي لحم يتوفر، وكثير من التوابل والغش، وأشياء أخرى لاعلاقة لها بالقنافذ!.

ابتعدت تلك الذكرى في الزمن، ولكنني كنت أقاوم في اللاوعي تلك الإجابة القاطعة، ولم أستطع مرة واحدة عند تناول ذلك الطبق (وغالبا لم أكن أبادر في طلبه)، أن أتخلى عن يقيني الطفولي أنه من لحم القنافذ، فتكاد التساؤلات القديمة الساذجة تطل برأسها: هل هو لحم ذكر أم أنثى؟.. وكيف أوقعوا بتلك الكبابة؟.. وهل تؤلم أشواكها؟

لمدة طويلة، وكلما شاهدت كبابة نافقة تحت عجلة سيارة، كنت أخفف من وقع المنظر البشع بعزاء أخرق وأقول لنفسي: على كل حال كانت هاربة من مطاردة الصياد وماكان مصيرها ليكون أفضل لو لم تسبقه السيارة إليها!.

أحببت الدجاج الأبيض، فذكرياتي مع الصنف البلدي ترتبط بحرمان بعيد، فقد كان حظي الدائم رأس الديك المذبوح على شرف الضيف، إذ لم يكن لي مطمح أو جسارة كافية، لمنازعة شقيقي الأكبرين حقهما المشروع في "القونصة" و"القصبة"، وما زالت زوجتي تتهمني كلما رأت في عيني بريقا تثيره رائحة الدجاج المطبوخ، بأنني لم أشف بعد من شوقي القديم.

في مطلع الألفية الجديدة، بدأت وسائل الإعلام تبث صورا قيل إنها لمقابر جماعية في جنوب وشمال العراق، فشعرت بذعر شديد، وأصابني نفور (لم يكن طويلا كي لا أكذب) من أكل الدجاج، فكانت كل عظمة ألمحها على المائدة تحيلني إلى صور الرعب على الشاشات.

بعد سنوات معدودة ستتراجع أخبار المقابر الجماعية، وصور العظام البشرية إلى تفصيل يومي هامشي تورده القنوات قبل نشرة أحوال الطقس، وسيغدو الحديث عن نفور بشر من أكل الدجاج نكتة سمجة، فقد أصبحنا نلتهمه مع نشرات الأخبار، وكأنها موسيقى تصويرية، وربما يأتي وقت لا تثير فيه مشاهد المقابر الجماعية المنبوشة من مشاعر، أكثر مما تثيره بقايا وليمة الدجاج، أو كبابة دهستها سيارة مسرعة على الطريق.

إرم نيوز
www.eremnews.com