اتجاهات

جملُ الحكيم لن يطفئ حربا

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 29 أغسطس 2022 21:03 GMT

يبدو أن لا شيء يشوّش على زمجرة الحرب في زمن متخم بظلالها الآسرة.. ففي سهرة كان من المُخطط أن تبقى حبيسة خزائن الأدب، نطير فيها من قصيدة إلى أخرى، وجدنا أنفسنا

يبدو أن لا شيء يشوّش على زمجرة الحرب في زمن متخم بظلالها الآسرة..

ففي سهرة كان من المُخطط أن تبقى حبيسة خزائن الأدب، نطير فيها من قصيدة إلى أخرى، وجدنا أنفسنا بعد أقل من بيتي شعر رقيقين نفكّك تقرير صحيفة ”لوفيغارو“ الفرنسية حال صدوره يوم أمس، وكيف يرى أن تجمّد خطّ الجبهة في الحرب الروسية على أوكرانيا خلال الشهرين الماضيين يعدُّ مؤشرا فعّالا إلى أنه لم يعد بإمكان كلا المتحاربين تنفيذ هجوم كبير.

هذا يعني أن موسكو لن تتمكن من تحقيق مكاسب كافية في دونباس، ولا كييف في خيرسون، لادعاء النصر مع نهاية الصيف، وقد ينتهي الأمر إلى تجمّد الصراع بشكل أو بآخر عند خط المواجهة الحالي.

ووجدنا أنفسنا فوق ذلك نخوض في عدد كبير من السيناريوهات المحتملة لنهاية حرب أدمت العالم على نحو غير متوقع، رغم أن فلاديمير بوتين أرادها عملية عسكرية خاصة، وفي ضوء عدم بزوغ أي بادرة لمفاوضات لربما تفضي إلى لجم صهيل موت يحيق في الأرجاء.

في الأثناء يقطع حوارنا صديق لم يعجبه أن نحتسي الحرب بدل الحب، ونستبدل سيرة العشاق بطغيان الطغاة، فباغتنا بقوله إن العالم يحتاج إلى طرف ثالث حكيم يقدم جَملا من جِماله؛ لينهي الصراع العبثي الذي لن يخدم إلا الخراب، فصمتنا منتظرين أن يفكّك الطلاسم التي قالها للتو.

قلت في نفسي، يبدو أن صديقي مازال حالماً أن بمقدور الشعر إنقاذ العالم من مغبة آلام يتمرغ فيها.. وقال ثالث إن الحرب ليست مشاجرة في حارة؛ كي تنتهي بوساطة طرف ثالث، حكيما كان أو متهورا.. الحروب لا تقاس بهذا المقاس.

قال صديقنا لن أقول شعرا فلا تتعجلوا، ثم راح يسرد قصة من تراثنا الشعبي عن رجل قسّم ميراثه بين أولاده الثلاثة، وكانت 17 جملاً وزّعها بينهم تبعاً للجهد والوقت الذي بذله كل منهم في رعايته، على أن يأخذ الأول نصفها والثاني ثُلثها والثالث تُسعها.. وبعد وفاته اختلف الأبناء، فمن المستحيل تقسيمها حسب تلك الوصية العجيبة.

أشار أحدهم أن يستشيروا حكيماً، فذهبوا ورووا حكايتهم لواحد يشتهر برجاحة العقل، وبعد تفكير طويل لم يجد حلاً سوى أن يهديهم جملاً يضيفه إلى التركة؛ لتستوي القسمة.. وهكذا وبعدما أن صار العدد 18 أعطى نصفها للأول، وثلثهما أي ستة للثاني، وجملين للأخير.
رغم طرافة القصة إلا أن أحدنا هبّ في وجه الروي قائلا إن عالم السياسة لا يحفل بطرف ثالث أو رابع.. العالم فسطاطان بينهما برزخ لا يلتقيان، هو ضفتان غريبتان بينهما بحر يعصف بالنيران..

الحياد في زمن الاصطفافات ليس مسموحا أبداً.. ومن أين لنا بطرف يحلحل معادلة ذات ضرب وطرح وجذور تكعيبية لا تخضع لميزان العقل والمنطق في كثير من الأحيان؟ وهل سنجد طرفاً مقبولاً لدى من يرى الدنيا إما معي أو ضدي أم أن الجمل الثامن عشر سيبقى حلماً يلوح في خواطر الشعراء وأحلامهم البريئة؟

في خضم الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، بزغت حركة عدم الانحياز في مؤتمر مدينة باندونغ الأندونيسية 1955، وظلت بلا تأثير يذكر حتى خمد صوتها مع آخر اجتماع لقادتها في إيران قبل عشرة أعوام.

الحروب في الغالب تنتهي بانتصار أحد الطرفين، أو باستنزاف قواهما ليعودا إلى حدود كانا عليها قبل الشرارة الأولى..

وفي عالمنا من المستبعد أن يكون الطرف الثالث هو الأمين العالم للأمم المتحدة، حتى ولو أكثرَ من التعبير عن بالغ قلقه، كما أن الصين المشغوفة باقتصادها وتوازناته من المستبعد أن تقدم جملها، أو حتى حكمتها لإنهاء الحرب، بل ثمة من يعتاشون على الصراعات، وبها ينتعشون.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك