اتجاهات

ماكرون إسرائيلي

نظير مجلي

نظير مجلي

كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية

+A -A
تاريخ النشر: 28 أغسطس 2022 21:19 GMT

لا يحتفلون كثيرًا في إسرائيل بمناسبة الذكرى السنوية الـ125 لانعقاد مؤتمر بازل، الذي يعد المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية، وهذا ليس صدفة. الصهيونية لم تعد كما

لا يحتفلون كثيرًا في إسرائيل بمناسبة الذكرى السنوية الـ125 لانعقاد مؤتمر بازل، الذي يعد المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية، وهذا ليس صدفة.

الصهيونية لم تعد كما كانت عليه، مشروعًا لإقامة دولة.. وعبر العقود تمزقت إلى عدة تيارات واجنحة وأحزاب، كانت اختلافاتها يومًا، تعبيرًا عن تعددية فكرية تخدم المصلحة، وغدت صراعات وكراهية وحقدًا داخليًا، تنخر في العظم، فيما صار الكثيرون من أقطابها يحذرون من أن هذه الصراعات باتت العدو الأول، قبل إيران والفلسطينيين.

لذلك، فإن الاحتفال المركزي بتأسيس الحركة الصهيونية يُقام في المدينة السويسرية نفسها، التي وقف فيها ذلك الصحفي اليهودي ثيودور هيرتسل، يوم 29 أغسطس 1897، متحديًا الأثرياء اليهود الذين رفضوا في البداية تمويل مشروعه، ومعلنًا الإصرار على ”إقامة الوطن القومي لليهود“.

وقد تقاطب الآلاف من ممثلي الحركات والمنظمات اليهودية في العالم، على بازل، ومعهم الرئيس الإسرائيلي يتسحاك هيرتسوغ، يتحدث كل منهم بلغته وصياغاته المتباينة عن نجاحات الفكرة وإخفاقاتها.

أحد الكتاب الإسرائيليين اليهود المعروف بخفة ظله، يقول: ”لو بُعث هيرتسل من جديد وخاض الانتخابات الإسرائيلية اليوم، لما فاز بمقعد واحد في الكنيست“. ويضيف بجدية: ”هذا ليس عصر العظماء، إنه عصر القادة الأقزام“.

ويأتي مؤتمر بازل الجديد، متزامنًا مع حدث قد يبدو عربيًا أو عربيًا فرنسيًا، شهدناه قبل يوم واحد في العاصمة الجزائرية، عندما جاء ذلك الرئيس الفرنسي الشاب إيمانوئيل ماكرون، يفتش عن صيغة مصالحة بين دولته ومستعمرتها السابقة، واتفق مع الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، على ”إعادة قراءة الماضي ووضع آفاق عمل وشراكة في المستقبل“.

لا أحد يستطيع الجزم بأن ماكرون وتبون نجحا في بناء عهد جديد في العلاقات بين البلدين، على طريقة الزعماء الكبار للشعوب، لكنهما تمكنا بالتأكيد من وضع حجر زاوية لعهد جديد، تتخلى فيه فرنسا عن فكرة استعمار الجزائر طيلة 132 عامًا، وترنو لعلاقة صداقة وشراكة.

ورغم المعارضة الشديدة التي تلقتها التفاهمات الجديدة في البلدين على السواء، إلا أن الرئيسين تبون وماكرون فرضا لغة خطاب جديدة بين البلدين، وفتحا صفحة جديدة، واتخذا قرارًا شجاعًا بتشكيل ”لجنة مشتركة من المؤرخين الفرنسيين والجزائريين، الذين ستفتح لهم صفحات الأرشيف الفرنسي والجزائري لجلاء الحقيقة“، والتي ستكون مهمتها، وفق ماكرون ”النظر في كامل تلك الفترة التاريخية، منذ بداية الاستعمار إلى حرب التحرير، من دون محظورات“.

والأهم أنهما قررا ”العمل على شراكة جديدة من أجل الشباب ومن خلالهم والسعي إلى إنشاء جيل فرنسي جزائري جديد يتعاون ويتشارك في بناء صروح الاقتصاد، والثقافة، والتآخي“.

من الصعب أن يدرك المرء، لا في الجزائر ولا في فرنسا، عظمة الانعطاف الجديد، فالأجيال الجديدة لا تعرف ولم تعش بشاعة الصراع بين البلدين.

نحن نتحدث عن احتلال فرنسي استيطاني نفذه 1.5 مليون جندي وموظف فرنسي على أرض الجزائر، قاومه الجزائريون منذ اللحظة الأولى بنضال شعبي مستميت، وحاولت فرنسا قمعه بأبشع أنواع الجرائم واستخدمت في ذلك أبشع أسلحة البطش والتنكيل، واستخدمت فيه الاستيطان القسري، ونهب الأموال والممتلكات، وحتى التجارب النووية.

وإذا كان المؤرخون في العالم متفقين على أن الجزائريين دفعوا ثمنًا باهظًا تمثل في مقتل 700 ألف جزائري (بحسب الجزائر قتل 1.5 مليون مواطن على الأقل)، و25 ألف فرنسي، فإنهم مختلفون على كثير من التفاصيل.

ومع ذلك، فإن هناك رغبة جامحة ليس فقط لطي الصراع، بل الانتقال إلى لغة الأمل والازدهار، والحرص على مستقبل الأولاد والأحفاد، وهذا يُسجل لصالح الرئيسين، ماكرون وتبون.

وعلى الرغم من الفوارق الكثيرة والكبيرة بين مضمون القضيتين، فإن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يحتاج إلى قيادات تعرف كيف تضع حدًا لنزيف الدماء والموارد والطاقات، وتنقل الشعبين ومعهما كل شعوب الشرق الأوسط إلى عهد جديد ينتقل بنا إلى لغة الأمل والازدهار، والحرص على مستقبل الأولاد والأحفاد.

الأمر يحتاج إلى قيادة شجاعة، تدرك البُعد الإستراتيجي للمرحلة، وتجرؤ على اتخاذ القرارات والخطوات اللازمة.

هنا أيضًا يوجد احتلال وتوجد ضحية.. على الضحية تقع مسؤولية كبيرة لتغيير الواقع، لكن مسؤولية وقف الجرائم، وتصحيح المسار، تقع على قادة الاحتلال.

لو كان في إسرائيل، اليوم، قائد حقيقي يدرك أن أهم عنصر في المصلحة الوطنية هو تحقيق السلام لشعبه مع العدو، والتحلي بالشجاعة اللازمة لاتخاذ القرارات الصحيحة.. لهذا الغرض لا تحتاج إسرائيل لزعيم خارق، يكفيها وجود زعيم مثل ماكرون.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك