انتفاضة الرئيس قيس سعيد
انتفاضة الرئيس قيس سعيدانتفاضة الرئيس قيس سعيد

انتفاضة الرئيس قيس سعيد

مع الأخذ بالاعتبار، اختلاف الظرف السياسي، وطبيعة التجربة، يذكّر صعود نجم الرئيس التونسي قيس سعيد بالرئيس المصري الأسبق أنور السادات، الذي لم يُؤخذ على محمل الجد - عندما تولى السلطة في مصر العام 1970- قبل أن يفاجئ الجميع بعد قليل من استلامه السلطة، ليصبح كواحد من أكثر القيادات تأثيرا وجدلا في تاريخ مصر.

والذين عاشوا تلك الفترة ما زالوا يذكرون الاستخفاف الذي تعاملت به الطبقة السياسية المصرية مع الرئيس السادات، وما زالوا يذكرون التجاهل الذي عانى منه الرئيس المصري في ذلك الوقت، وهو يحاول تلمس طريقه كخلف مقبول، يملأ الفراغ الذي تركه الزعيم جمال عبد الناصر، لا في مصر فقط بل على امتداد الساحتين الإقليمية والدولية.

اليوم، يكاد التاريخ يكرر نفسه في تونس؛ فالرئيس التونسي قيس سعيد عانى منذ انتخابه قبل حوالي 3 سنوات، من حالة استخفاف كتلك التي عانى منها الرئيس السادات في مصر في مستهل حكمه، في السبعينيات من القرن الماضي، وظلت القوى السياسية التونسية تتعامل معه كرئيس منزوع الدسم، لا يقدم ولا يؤخر في مسار الصراعات السياسية والحزبية التونسية، التي ظل البرلمان أو الشارع ميدانا لها.

وكان يمكن أن تنتهي ولاية الرئيس سعيد، كما انتهت ولاية سلفيه المنصف المرزوقي، والباجي قائد السبسي، دون أن يتبلور طوال فترة رئاستهما نظام سياسي ودستوري مستقر، يعبر عن طموحات ثورة الربيع التونسية العام 2011.

فقد انتهزت جماعة النهضة الإخوانية حالة الضعف التي عانت منها الساحة السياسية التونسية، خلال حكم الرئيسين المرزوقي والسبسي، لتفرض نفسها على المشهد السياسي التونسي، بشكل أدى إلى حالة من الشلل في مؤسسات الدولة الحكومية والدستورية، وتراجع حاد في الأداء الاقتصادي، مع تفاقم الفساد وتآكل إمكانية مواجهة الأزمات والتحديات المعيشية التي باتت ضاغطة على التونسيين، بدرجات هائلة، وأشكال من المعاناة غير المسبوقة.

وإلى بداية السنة الثالثة من ولاية الرئيس قيس سعيد، كان البعض يستعجل انتهاء ولاية الرئيس سعيد طمعا في شخصية أكثر حزما في التعامل مع المماحكات الحزبية التي عرقلت الحياة السياسية والاقتصادية.

وعلى غير توقع، فاجأ الرئيس سعيد التونسيين بانتفاضة غير منتظرة، وغير متلائمة مع الصورة النمطية الهادئة، التي رسمت له عند وصوله للسلطة العام 2019. فخلفيته القانونية كخبير دستوري رآها البعض قيدا على أي ممارسة صدامية ذات طبيعة انقلابية، فضلا عن أن المناخ السياسي الذي كان يحيط بتونس لم يكن يساعد على مثل تلك الانتفاضة.

لكن حسابات الرئيس سعيد كانت مختلفة، وهو يطرح فكرة تعديل الدستور واقتراح دستور جديد يحول نظام الحكم البرلماني إلى نظام رئاسي، فقد رأى من قراءة المشهد السياسي والبرلماني وبعين الخبير الدستوري، بعض المتغيرات التي تساعده على تسويق مثل هذه الخطوة، بل تشجعه عليها.

فالطبقة السياسية وقواها البرلمانية، عطلت لسنوات عمل الحكومة، ومنعتها من ممارسة أي نشاط يخفف من متاعب التونسيين ويحل الأزمات التي يعانون منها. ولذلك، كان الشارع التونسي مهيأ للتغيير ومستعدا له، خاصة أن هذا التغيير عبر قنوات ديمقراطية لا تعتدي أو تتجاوز على قواعد اللعبة السياسية.

وجاء انكشاف قوى الإسلام السياسي، وتراجع تأثيرها في الشارع التونسي وانحسار سيطرتها على البرلمان وعلى الحكومة، لتمهد الطريق أمام الاستفتاء الشعبي على الدستور، خاصة أن ذلك الانكشاف واكبه تهافت في الخطاب الديني، وتدني مستواه الفكري أدى كذلك إلى تراجع تأثير ومكانة الرموز الدعوية التي ظلت تحاول توظيف الدين لخدمة أجنداتهم السياسة والحزبية.

إلى ذلك، فقد أظهرت الصراعات الحزبية منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي أن القوى المدنية التونسية ظلت قوى فاعلة، وأن تغول الخصم التاريخي لهذه القوى - والمتمثل في جماعة الإخوان المسلمين - لم يستطع تحييد القوى المدنية، ولم يلغِ تأثير البورقيبية – إذا جاز التعبير – وظل تأثير إرث بورقيبة السياسي والاجتماعي قادرا على تشكيل معارضة فاعلة في مواجهة محاولات هيمنة حزب النهضة، ومنعه من الانفراد بالحكم.

كل هذه العوامل التي كانت معروفة للمحللين السياسيين، والتي كان يتم تداولها في صفوف الطبقة السياسية والحزبية التونسية، كانت تحتاج إلى من يجرؤ على استثمارها والتعامل معها، وهو ما فاجأ به الرئيس سعيد الجميع وهو يطرح استفتاءً على دستور جديد يغير قواعد اللعبة السياسية، أو ليعطي للمؤسسات الدستورية التونسية فرصة مباشرة مسؤولياتها بعيدا عن المماحكات الحزبية والصراعات الشخصية.

إرم نيوز
www.eremnews.com