قصاصات الحرب والسلم
قصاصات الحرب والسلمقصاصات الحرب والسلم

قصاصات الحرب والسلم

لم أقرأ رواية "صباح الخير أيها الحزن" للفرنسية فرانسواز ساغان، لكن العنوان الساحر، أو هكذا وصفناه خلال فترة مراهقتنا، كان كافيا لترديده بمناسبة أو من دونها، لتأكيد انتسابنا لفصيلة قرّاء الأدب العالمي ونبلاء الحزن.

لم أقرأ جزءا واحدا من الرواية الملحمية "الحرب والسلم" للكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي، ولكن بقيت لسنوات طويلة ومجموعة واسعة من الأصدقاء، ودون أي خوف من المساءلة، نعبر عن افتتاننا بالآهات، كلما ذكر اسم هذا العمل، وكلما ذكر غزو نابليون بونابرت لروسيا.

هذان العملان كانا عينة من قائمة كتب طويلة، نتفاخر بحفظ عناوينها ونقتبس بعض جملها ومأثوراتها مما تسعفنا به الصحف اليومية قبل انتشار الإنترنت..

كنا نخبئ تلك النسخ التي لا تقدر بثمن، أو قصاصات مختارة منها، في أماكن آمنة لاستدعاء ذخائرها في سهرة مرتقبة مع شخص مقيم في دمشق يكبرنا سنا وثقافة، أو في رحلة مدرسية نعلم أن فيها فتاة تكره الميوعة ولا تستهويها إلا الكتب.

كان هذا الكذب، والادعاء الريفي، مقبولا أو مفهوما في ذلك العمر المبكر، لكن المفاجأة أن ما كنا نفعله بشيء من الجهد في زمن الورق، أصبح بمرور الوقت أكثر منهجية ومراوغة في حضرة "غوغل"، ومع وجود قلة ناجية من هذا الاستسهال، فإن الغالبية العظمى لم تتخل عن "ثقافة القصاصات"، وقد كفاها الإنترنت عناء الجمع والمراجعة عند الطلب.

تقرأ مادة أو مقالا يوميا عن مآلات الصراع الأمريكي الصيني، وشكل العالم حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، فيستدعي الكاتب على الفور جدل صامويل هنتنغتون في "صدام الحضارات" وفرانسيس فوكوياما في "نهاية التاريخ" وكأنه حكم بينهما، موردا اقتباسات غزيرة لكل منهما، محاججا، رافعا صوته، وكأنه يجلس معهما حول طاولة مستديرة.

يتحدث عن الواقع العربي، فيحيل القارئ الكسول إلى "تاريخ الطبري" و"الملل والنحل" و"الكامل في التاريخ" و"مقدمة ابن خلدون"، مع التنويه بضرورة العودة إلى خطب قس بن ساعدة الإيادي، من دون أن يبخل على متابعيه بأقوال مأثورة لأصدقائه أصحاب الكتب الشهيرة.

يكتب عن كارثة الدكتاتورية، فيحضر على الفور مثال جوزيف ستالين، وإبادته ملايين البشر لتثبيت حكمه، ووحشيته في تهجير تتار القرم، ونفي مئات آلاف المعارضين إلى معتقلات سيبيريا القاتلة، ما كان مقدمة منطقية لانهيار الاتحاد السوفيتي فيما بعد.

يحاضر في اليوم التالي عن أصول التحرير وفن بناء الأوطان، فيتذكر على الفور جوزيف ستالين ومآثره في الحرب العالمية الثانية، وأوامره الصارمة بالتشبث بكل شبر من الأرض خلال معركة ستالينغراد، ونظرته الثاقبة في نقل آلاف المصانع إلى شرق جبال الأورال لحمايتها من الغارات الألمانية، ودليل ذلك، استشهادات لا تكذب من مذكرات المارشال السوفيتي ذائع الصيت غيورغي جوكوف.

عندما ذهبنا إلى جامعة دمشق، علمنا أن ذلك المثقف المربك العائد من العاصمة، لا يعرف أكثر مما نعرف، ولا وقت لديه إلا لجمع قصاصات الصحف، وعرفنا، أن تهافت النساء عليه كان أكاذيب محضة كي يبقينا متسمرين أمامه يومين، قبل أن يعود إلى عمله البائس في معمل البسكويت، وغرفته الرطبة المعتمة في مخيم اليرموك.

عرفنا لاحقا، أن فتاة الرحلة المدرسية الجميلة، (وقد أصبحت الآن جدة محنية الظهر وتكافح ارتفاع ضغط الدم) كانت أصدقنا جميعا، وقد توقفت عن جمع قصاصات الصحف عندما لاح لها طيف العريس.

إرم نيوز
www.eremnews.com