الشريف عزام
الشريف عزامالشريف عزام

الشريف عزام

روى أحد أصدقائي الأعزاء جدا، قصة حدثت له في أحد المعتقلات العربية، قبل عدة عقود، فيها خليط من الألم والطرافة..

أما الألم فلأنه تعرض للضرب والتعذيب المنهكين، وأما الطرفة فتعود إلى "الشريف عزام"، الشخصية التي كانت مرعبة للمعتقلين، من دون أن يراها أحد.

كان المحقق معه قد اعتاد ضرب المعتقلين من دون سؤال أو جواب.. أولاً يضرب، وبعدها يأتي كاتب التحقيق ليسجل الأقوال، وهو يفهم شيئا واحدا: اعتراف. لن ينفع معه أي حوار، ولا يستطيع أحد إقناعه بأنه بريء، فإما أن تعترف وإما أن تتحمل الضرب.

صديقي نحيل الجسد ومعلول، فلم يتحمل الضرب. ولأنه كان بريئا، فلم يكن هناك مجال للاعتراف بشيء، بل اكتفى بالرجاء: "أطنب عليك رب العالمين"، فلم ينفع.. "من شان ألله ارحمني"، ولم يفده شيئا.. "من شان النبي"، ولم يجده نفعا.. "من شان الملك، الملكة، ولي العهد"..

ظل المحقق يضرب، حتى تعب هو بنفسه وأجهده العرق وراح يلهث، فصاح فجأة وهو يوجه الضربات: "ولك صيح من شان الشريف عزام"، فلم يتردد وصاح: "بجاه الشريف عزام"، وعندها فقط توقف الضرب فعلا.

لقد أطلق سراح صديقي وهو لا يفهم سر الشريف عزام، ومرت سنوات طويلة، ابتعد فيها عن المنطقة كلها ولكن سر الشريف عزام لم يبتعد عنه، توجه للدراسة الجامعية حتى نال الدكتوراه في جامعة أمريكية وتخصص في موضوع "الاستشارة الاستراتيجية"، وعاد إلى الوطن ليعمل مستشارا استراتيجيا كبيرا لمسؤول أمني رفيع في السلطة الفلسطينية.

وشاءت الأقدار أن يسافر مع مسؤوله إلى تلك الدولة العربية، التي سمع فيها اسم الشريف عزام أول مرة، وكما يحصل في مثل هذه اللقاءات، يتعرف أعضاء الوفود على بعضهم البعض وتنشأ صداقات، وكان هناك قائد أحد أجهزة الأمن المعروف بخفة دمه، فقرر أن يسأله عن الموضوع، وما هي إلا بضعة أيام حتى جاءه بالجواب، فقال: "الشريف عزام هو ضابط في المخابرات يقود مجموعة من العناصر الذين جاء بهم من البادية، وهم يدينون له، وله وحده بالولاء، لا يهمهم من يقود الدولة ومن يقود الجهاز، الوحيد المهم عندهم هو الشريف عزام، يقول لهم موتوا يموتون".

تذكرت هذه الحكاية عندما ظهرت نتائج التصويت على قائمة حزب الليكود الانتخابية، فقد أعلن أن بنيامين نتنياهو حقق فوزا ساحقا فيها، وجاء بقائمة للانتخابات القادمة، لا تضم إلا الموالين له شخصيا، تماما مثل الشريف عزام.

استبعد نتنياهو عن القائمة مجموعة من النواب البارزين الذين كانوا وزراء سابقين، مثل تساحي هنغبي، الذي يعتبر أقدم أعضاء الكنيست وتولى عدة وزارات وهو الذي كان قد قدم طلب انتساب نتنياهو إلى الحزب قبل أربعين سنة وكان يعتبر ذا مكانة خاصة عنده، وأورلي ليفي أبيكاسيس، ابنة دافيد ليفي، أحد زعماء اليهود الشرقيين، الذي كان الرجل الثاني في هذا الحزب.

هما وغيرهما من المبعدين أخرجوا تماما من القائمة وسيضطرون إلى اعتزال العمل السياسي في هذا الحزب، وهناك مجموعة من القادة، الذين تم انتخابهم في أماكن في مواقع متأخرة، مع أنهم كانوا يعتبرون قادة أساسيين للحزب ولدى كل منهم رصيد سياسي كبير وتولوا وزارات كبيرة وسيادية..

وهؤلاء مثل يسرائيل كاتس، وزير المالية الأسبق ووزير المواصلات، ويعتبر أحد أقوى المرشحين لخلافة نتنياهو، وحاييم كاتس، الذي يعتبر ممثلا لأقوى نقابة عملية في إسرائيل، الطيران وسلطة المطارات، ويولي إدلشتاين، الذي فاز بالمرتبة الثانية في قائمة الليكود في الانتخابات السابقة، ودافيد أبيطان، الذي خاض معارك استمات فيها دفاعا عن نتنياهو إلى ما قبل بضعة أسابيع فقط.

هؤلاء الذين اعتبرهم نتنياهو خصوما وانتصر عليهم، لم يكونوا خصوما له حقا، بل هم مخلصون له تماما، و"جريمتهم" الوحيدة أنهم لم يشاركوا في الهجوم على الجهاز القضائي ولم يقبلوا سياسة تقويض أركان الحكم الليبرالي الديمقراطي وسلكوا طريقا يحترم رسميات الحكم. وبعضهم أبدى توجها معتدلا نسبيا في تسوية الصراع وفي التعاطي مع قضايا المواطنين (فلسطينيي 48) وحقهم في المساواة.

وفكرة نتنياهو هي أن تكون قائمة الليكود مؤلفة من مقاتلين ومحاربين، وليس من قادة رسميين، من أناس مستعدين للموت في سبيل نتنياهو وعائلته، يريد نوابا يحاربون لكي يسن قانونا يقيد صلاحيات المحكمة العليا وقانونا يمنع محاكمة شخص يفوز برئاسة الحكومة في الانتخابات، وهذا ما حصل.

المشكلة هي أن نتنياهو نجح أكثر من اللازم في هذه الخطة وفاز بما يزيد عن الحد، فقد بنى لنفسه "مجموعة خصوم"، من دون خصومة..

هؤلاء يكظمون غيظهم الآن ولكنهم يترصدونه في أول فشل ويتربصون به عند أول مفرق، ومن غير المستبعد أن ينشق عنه بعضهم بعد الانتخابات، ويجعلوه يندم على ما فعله بهم.

إرم نيوز
www.eremnews.com