تسالي الحروب الأهلية
تسالي الحروب الأهليةتسالي الحروب الأهلية

تسالي الحروب الأهلية

قاتل الله وسائل التواصل الاجتماعي، فهي لا تكتم السر، ولا ترتجف أمام مقص الرقيب، ولا تعترف بدوافعه الوطنية التي تلزمه ستر العيوب والخطايا، اتقاءً لشماتة العالم المتربص بسمعتنا، الحاسد، الحقود، الطامع في استنساخ تجاربنا في الإدارة وفلسفة بناء المؤسسات.

مشاهد شجار اللبنانيين وهم يتعذبون في طوابير الخبز، أو "طوابير الذل"، كما سمّوها، ما كان لأحد أن يصدقها لولا وسائل التواصل الاجتماعي، وربما لو حدثت في زمن آخر لقال مسؤول، أو وزير لبناني إنها مجرد إشاعات، تستهدف نسف ثقة المواطن بحكومته الرشيدة وضرب موسم الاصطياف.

هي الحروب الأهلية المصغرة واللذيذة، والأقرب إلى التسالي، عند شريحة واسعة من سياسيي بلاد الأرز، ولا يستبعد أن يكون أحد المسؤولين في وزارة الاقتصاد اللبنانية يتابع المشاهد ويقهقه عاليا، باعتبارها نوعا من الترفيه وهو يجلس وحيدا في مكتبه، وقد تأخذه الحماسة ويراهن على فوز صاحب القميص الأسود مفتول العضلات، على خصمه حليق الشعر ذي اللحية المدببة!.

مواقع التواصل الاجتماعي، تقدم تفسيرات متباينة لأسباب الأزمة، تتراوح ما بين الواقعي والكاريكاتوري: فساد الطبقة السياسية كلها، انفجار مرفأ بيروت وانهيار صوامع الحبوب، حرب أوكرانيا، يأس الخليجيين من لبنان، مؤامرة لإضعاف حب الشعب لخيارات حزب الله، جشع أصحاب الأفران لبيع الطحين في السوق السوداء، عين وأصابت لبنان، الحق على المناخ، الحق على إسرائيل، وكل كل الحق على اللاجئين السوريين.

اشتباكات الخبز اليومية، ومشاهد دموع الذل والقهر في عيون سيدات كثيرات، تكاد تصبح أمرا طبيعيا لا يثير الدهشة والغضب، وقد تتحول العودة المظفرة بربطة خبز يتيمة أواخر النهار، إلى فرحة عائلية تستمر ليلة كاملة في انتظار محنة اليوم التالي.

حروب لبنان الأهلية هذه المرة، لا تشترط بناء المتاريس ونصب حواجز التدقيق على الهوية الطائفية _وإن لم تخل من حمل السلاح _ فهي تندلع يوميا في قلب كل طائفة ومدينة وشارع، وربما تمتد المعارك في مقبل الأيام لتنسف علاقات الصداقة والقربى، إن تعارضت مع الحصول على ربطة خبز.

منذ عامين على الأقل، ووسائل التواصل الاجتماعي منهمكة في تغطية اشتباكات الطوابير دون تمييز بين منطقة وأخرى، وإن كان التركيز أكثر على بيروت التي تستضيف مقار السفارات وقد تحولت بواباتها إلى نافذة حلم بهجرة نهائية.

حروب، حروب.. معارك من أجل لتر بنزين، وكيس حليب للأطفال، وعبوة زيت مدعوم، وفي الأثناء يأتي الحل السحري البسيط الذي لا يتطلب إلا القليل من الصبر ريثما يستعيد لبنان حقه في نفط وغاز حقل كاريش، وإجبار إسرائيل بقوة السلاح على جمع معداتها والانصراف بهدوء، وعندها ستكفل الثروة الهائلة الكامنة تحت البحر، اختفاء كل الأزمات دفعة واحدة، لتصبح مشاهد الطوابير مجرد حدث عابر!.

لكل بلد عربي حروبه الأهلية الخاصة، ومستقبل معلق باستعادة "كاريشه" الخاص، ويبدو من مشاهد الجثث التي تلفظها الأمواج على الشطآن، أن الشعوب صدقت وعد التحرير الوشيك!.

إرم نيوز
www.eremnews.com