اتجاهات

أخذ "المستحقات" صنعة (2 من 2)

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 03 أغسطس 2022 22:17 GMT

كان من المهم أن أنتظر أسبوعًا لكي أظهر للمنتج النصاب أنني لست متلهفًا على إتمام البيعة أو الحصول على مستحقاتي، ولم يتردد أحمد حلمي في المساعدة حين طلبت منه أن

كان من المهم أن أنتظر أسبوعًا لكي أظهر للمنتج النصاب أنني لست متلهفًا على إتمام البيعة أو الحصول على مستحقاتي، ولم يتردد أحمد حلمي في المساعدة حين طلبت منه أن يخبر المنتج ”ضمن كلام كثير“ أنه عرف أنني تواصلت مع عدة قنوات فضائية راغبة بشراء البرنامج، لكنني أنتظر من سيعرض السعر الأعلى.

ربما كان حلمي يشعر بنوع من المسؤولية لأنه دبّسني مع المنتج، لذلك فقد تطوع بالإضافة، قائلًا للمنتج إنه سيفكر بعمل جزء ثانٍ من البرنامج لو نجحنا في بيعه لأكثر من قناة فضائية، وهو ما لم يكن واردًا لديه، وحين استغرب المنتج قيامي بقبول وظيفة بسيطة مثل إعداد البرنامج وأنا أمتلك علاقات مهمة بالقنوات الفضائية، قال له حلمي إنني قمت بذلك إكرامًا لخاطره بعد أن توقفت عن إعداد البرامج منذ أن بدأت الكتابة للسينما.

حين اتصلت بعد أسبوع بالمنتج النصاب، كان قد ”استوى“ وبات جاهزًا لتصديقي حين قلت إنه مدعو لحضور لقاءين عاجلين مع مديري عموم تلفزيونيين عربيين حضرا إلى القاهرة للتحضير لأعمال مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون الذي كان سيُعقد بالفعل بعد شهرين، وكانت تلك المعلومة الصحيحة أساسية بحبك الخطة.

لم أكن أعرف اسم المديرين الفعليين، لكنه لم يكن يعرفهما أيضًا، ولذلك كان من السهل أن أستدعي اسم فنانين تعرفت عليهما خلال عملي في محطة الإم بي سي.

كان عليّ أن أغالب الضحك حين قال المنتج النصاب إنه في غاية السعادة لأنه سيلتقي بالمديرين العامين الذين ذكرت له اسمهما، وقال إنه سأل عنهما أحد أصدقائه العليمين ببواطن الأمور الفضائية وسمع عنهما سَمَع خير، وأنه لا ينوي فقط عرض برنامجنا عليهما، بل سيعرض عليهما الاشتراك في إنتاج أعمال جديدة، فطلبت منه أن يضع في بطنه بطيخة صيفية، لكني رجوته ألا يبادر بالطلب، بل يتركه لي لكي يعزز نفسه ويرفع سعر البيعة، فشكرني على الملاحظة المخلصة، وسألني عن المكان الذي سيتم فيه اللقاء المرتقب.

كان تحديد المكان أصعب جزء في الخطة المرتجلة، وكنت محتارًا بين عمارة في الدقي مواجهة لفندق شيراتون يقع فيها مكتب صحيفة خليجية عملت فيها بعض الوقت، وعمارة في شارع أحمد عرابي بالمهندسين يقع فيها مكتب الشركة العربية للإنتاج والتي كنت قد وقّعت معها عقد إنتاج فيلمي الثاني (صايع بحر)، ولم تكن لدي اختيارات أكثر، لأنني لم أكن ضليعًا في معرفة عمارات القاهرة الفاخرة التي يصعب دخولها إلا بإذن من الأمن الرابض في مدخلها.

استبعدت عمارة الدقي لأن مدخلها كان أقل فخامة وأفراد أمنها أكثر رخامة، بينما كنت أعرف أحد أفراد أمن عمارة المهندسين فقلت للمنتج النصاب إن الموعد سيتم في العمارة التي يقع فيها المقر الجديد للمكتب الإقليمي لاتحاد إذاعات وتلفزيونات الدول العربية، والذي يقع في الشقة المقابلة لمكتب الشركة العربية، مراهنًا على أنه لن يكلف نفسه عناء التثبت من المعلومة.

قلت للمنتج إننا سنلتقي أسفل العمارة، وإنني لن أتحرك خطوة نحوها إلا بعد أن أحصل منه على شيك بمستحقاتي عن البرنامج، وحين زَمْزَق وقال إن هذه طريقة لا تصلح للتعامل بين ناس يفتحون مع بعضهم سكة بيزنس، قلت إنه يجب أن يقول هذا الكلام لنفسه، وإنني لو لم أكن أثق فيه لطلبت الحصول على المبلغ عدًا ونقدًا، فارتاح لمنطقي ووعد بتسليم الشيك قبل الصعود إلى العمارة التي لم أكن أعرف حتى تلك اللحظة ما سأفعله داخلها.

كنت أشك أن المنتج النصاب قد يكتب لي شيكًا دون رصيد، لكنني كنت أحتاج إلى أي ورقة تثبت حقي لأعوض خطئي الفادح بالعمل دون توقيع عقد، وظننت أنني قد أستفيد من التعديلات القانونية التي استحدثت وقتها، وغلّظت عقوبة كتابة شيكات دون رصيد، لأجبره على دفع حقي ولو بعد مناهدة، وكان ظني في محله.

حين ذهبت إلى العمارة في اليوم السابق على تنفيذ الخطة لأعاين مسرح العمليات، فوجئت أن فرد الأمن الذي أعرفه لم يعد يعمل في المكان، فاتصلت بالصديق عماد مراد المنتج الفني للشركة العربية وقلت إنني أرغب في المرور عليه لأعرفه على منتج جديد يرغب بأن يعرض على الشركة سيناريو كان قد اشتراه مني، ليفاجئني عماد بأنه في إجازة لمدة أسبوع.

قررت ألا أنتظر وأن أرتجل أيًا كانت النتائج، وفي اليوم التالي التقيت بالمنتج النصاب أسفل العمارة، كان حريصًا على أن يأتي إلى الموعد بسائقه لكيلا يضيع وقتًا في البحث عن ركنة، وقبل أن ينزل من سيارته لنصعد سويًا، طلبت منه الحصول على الشيك الذي أصررت على أن يكتبه أمامي لتدقيق البيانات.

بعد أن وضعت الشيك في جيبي قلت له إنني أخبرت المديرين العامين أنني سأجلس معهما قبل وصوله، لكي أحدثهما عنه باستفاضة، وقلت إن ذلك سيكون مهمًا للتمهيد لعرضه بإنتاج أعمال جديدة، وإن وصوله معي سيقلل من مظهر الوسيط المحايد الذي أتمتع به، ولذلك يستحسن أن يلحق بي بعد نصف ساعة بالضبط.

تغلب طمعه على شكه، لكنه قال إنه سيبقى منتظرًا أمام العمارة حتى يأتي موعد صعوده، فلم أُبدِ أي تأثر، وشجعته على ذلك ودخلت العمارة، ودون سابق تفكير أو أدنى تردد، مددت يدي بالسلام على فرد الأمن المناوب، وأنا أضحك له كأننا أصدقاء قدامى، وبدأت أحكي له باختصار ما أرغب بفعله مع المنتج النصاب، وأطلب منه مساعدتي في ذلك.

لم يكن اسم عماد مراد هو الذي أقنعه بمساعدتي، بل اسم فيلمي الأول (حرامية في كي جي تو) الذي اتضح أنه شاهده مع خطيبته مرتين، ولذلك رفض عرضي بإكرامية صغيرة، محذرًا من تكرار العرض الذي سيقلل من ثوابه، قائلًا إن أصعب ما في الموضوع سيكون قدرته على كتمان الضحك حين يأتي دور المنتج النصاب في الصعود.

ظل المنتج يراقبني بنظرات متشككة وأنا أتضاحك مع فرد الأمن، ثم وأنا أدخل إلى المصعد، ولا أدري لماذا ضغطت رقم الدور الذي تقع فيه الشركة العربية بدلًا من أي دور آخر، وحين وصلت إليه سارعت بالنزول على السلالم لكيلا يراني أحد من أعرفهم فيها فيدعوني للدخول، وجلست على السلم إلى جوار مقر بنك مغلق، لأقضي وقت الانتظار في لعب لعبة الدودة على هاتفي المحمول، لا استمتاعًا بها، ولكن لطرد مشاعر القلق من أن يستعجل المنتج الصعود، أو أن يخذلني موظف الأمن خطئًا أو شرًا.

لم أفكر في الجري والتفليق فور الحصول على الشيك، ليس فقط لأنني كنت خائفًا من السائق مفتول العضلات الذي يمكن أن يسترد الشيك مني ويمزقه، بل لأنني كنت بحاجة إلى مشاعر الرضا والابتهاج التي ظلت تغمرني لأيام وأنا أتخيل المنتج النصاب وهو يخرج من المصعد متلهفًا على المكسب وباحثًا دون جدوى عن مقر المكتب الإقليمي لاتحاد إذاعات وتلفزيونات الدول العربية، قبل أن يعود إلى فرد الأمن فيجده غارقًا في الضحك.

تضاعفت مشاعر البهجة وزادت حين بدأت تصلني من المنتج اتصالات متتالية ثم رسائل مليئة بالشتائم فور أن فتحت هاتفي المحمول الذي أغلقته فور خروجي من العمارة بعد أن تأكدت من صعود المنتج النصاب، ليصبح طعم استرداد مستحقاتي أشهى وألذ، وتكون تلك المرة الأولى والأخيرة التي أعمل فيها مع أحد دون توقيع عقد أو اتفاق يضمن كل حقوقي، مقاومًا كل حجة أو عذر باستخدام التعبير الساخر الذي سمعته منسوبًا إلى الفنان الكبير فريد شوقي، وأصبح من مستلزمات عملي ككاتب سيناريو: ”معلهش نتفق ونمضي الأول، عشان ربنا عرفوه بالعقل“.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك