اتجاهات

ابتلاع الشمس بأجنحة الشمع

رمزي الغزوي

رمزي الغزوي

أديب وإعلامي وأكاديمي

+A -A
تاريخ النشر: 02 أغسطس 2022 9:22 GMT

هل يحقُّ لنا أن نتوقع للمنتخب الألماني لكرة القدم إحراز كأس العالم 2022 بعد تخلّيه رسمياً عن لقب "دي مانشافت" الذي فرش ولعقود طويلة شمسا من الغطرسة فوق المستطيل

هل يحقُّ لنا أن نتوقع للمنتخب الألماني لكرة القدم إحراز كأس العالم 2022 بعد تخلّيه رسمياً عن لقب ”دي مانشافت“ الذي فرش ولعقود طويلة شمسا من الغطرسة فوق المستطيل الأخضر، وقلّل من شأن الآخرين وثلم هيبتهم؟

أي هل يكون التواضع ترياقاً لغرور أصاب المنتخب – كي لا أقول الفريق – في نسخة كأس العالم 2018؟ فأقصاه من الدور الأول إن كنتم تذكرون.

أتكون العودة إلى الرشاد جناحاً لتحليق حصيف كما كان الغرور شمعاً سال حارقاً فوق الكتفين؟

”حلِّق يا بني، لا عالياً ولا منخفضاً، لا تحاول أن تُقبّل وجنة الشمس، مهما أغرتك ببريق خديها وثغرها البسّام، ولا تترك رطوبة البحر تثقلُ جناحيك أيضا، طرْ بين بين، لا تنظر إلا أمامك؛ كي لا تسقط ،مثل حجر، في بحر تتلاشى كفقاعة زبد فيه“.

بهذه الجمل القصيرة نصح ”ديدالوس“ ابنه ”إيكاروس“، قبل أن يهرب من جزيرة كريت، حسب الأسطورة اليونانية، وبعدما أعدّ له جناحين من ريش ثبتهما بالشمع فوق دفة كتفيه.

الفتى المغرور لم يقل ما يقوله المتواضعون الأخيار وهم يرتفعون في سماءات النهوض والازدهار، لم يقل كم أنا صغير، بل قال بنبرة ”تعال كم هو صغير هذا العالم، وكم هم صغار ساكنوه“، ثم حلّق بنزق متغافلاً عن كلمات أبيه وكأنه مسحوب بحبل من وهم نحو شمس اعتقد أنه قادر على ترك توقيعه فوق شفتيها..

لم يسمع إلا كلام رأسه، من أنه الأكبر في عالم صغار لا يكاد يبين أكبر قصر لهم تحت قدميه، ظل يرتفع دون أن يحسّ بسخونة تكوي جنبيه وكتفيه، لم يدرك أن شمع صموده ينصهر دمعة دمعة، حتى وهو يرى بعض الريش يتناثر حواليه. لم يع أنه يسقط وهو يرتفع، كي لا نقول وهو يسمو.

ظل لقب المنتخب الألماني يثير جدلا واسعا بين النجوم والجماهير وخصوصا الألمان، وقد أظهرت استطلاعات رأي عديده رغبة قلة منهم في أن يواصل منتخبهم اللعب تحت (Die Mannschaft)، حتى بعد أن غدا الاسم الرسمي له عام 2015، أي بعد عام من فوزه ببطولة كأس العالم في البرازيل.

الألمان الذين اكتووا بنار الغطرسة الهتلرية النازية، وثيمة ألمانيا فوق الجميع، والذين سعوا إلى أن يتخففوا من آثارها، يرفضون الاسم لأنه ببساطة يعنى ”الفريق“ معرفا، وكأنه ليس هناك ثمة فريق غيره فوق البسيطة، ويفضلون أن يصبح الاسم ”دي دويتشه فوسبال مانشافت“، أي فريق كرة القدم الألماني.

هذا عظيم وملهم ومؤشر رقي إنساني. فإيكاروس المتغطرس بشمس رأسه سقط مثل حجر في بحر ايجه ومتلاشيا كنفثة هواء، وقد كان يمكنه الوصول إلى مبتغاه. ومثله سقطت إمبرطوريات كانت زاهرة قبل أن يمسها داء الغرور الكبر والنظر شزرا إلى الآخرين، ومثله تلاشى طغاة وزعماء ورؤساء اعتقدوا للحظة أنهم قادرون على ابتلاع الشمس بقبلة واحدة، حتى وهم بأجنحة من شمع وريش خفيف.

الإمبراطوريات لا تموت بالتخمة فحسب. بل يسقطها سوس الغطرسة حين ينخرُ عقول ساستها الذين لا يسمعون غير كلام رؤوسهم، ورؤوس بطانة البصم والتبجيل والتفخيم.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك