اتجاهات

العراق.. السياسة ترسم صورة قاتمة للاقتصاد

ناصر التميمي

ناصر التميمي

كاتب وباحث - متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الخليجية-الصينية

+A -A
تاريخ النشر: 01 أغسطس 2022 5:19 GMT

سلطت الاضطرابات التي وقعت خلال الأيام الماضية في المنطقة الخضراء بقلب العاصمة العراقية بغداد، موطن المقرات الحكومية ومبنى مجلس النواب والسفارات الأجنبية، الضوء

سلطت الاضطرابات التي وقعت خلال الأيام الماضية في المنطقة الخضراء بقلب العاصمة العراقية بغداد، موطن المقرات الحكومية ومبنى مجلس النواب والسفارات الأجنبية، الضوء على الفشل السياسي المزمن في العراق.

لقد فشلت الأحزاب السياسية المتنافسة في الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة بعد مرور نحو عشرة أشهر على الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول عام 2021.

الاضطرابات الخطيرة في العراق من المؤكد أن ترسم سيناريو سياسيا قاتما لمستقبل البلاد، وأن تنعكس سلبا على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل كامل تقريبا على إيرادات صادرات النفط وبحاجة ماسة لإصلاحات عميقة وشاملة.

ووفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي قبل التطورات السياسية الأخيرة، كان من المنتظر أن ينمو الاقتصاد العراقي بنسبة 9.5 بالمائة هذا العام و 5.7 بالمائة في عام 2023 مدفوعا بالارتفاعات الكبيرة في أسعار النفط العالمية.

لكن الاحتجاجات الأخيرة بدأت تلقي بظلالها القاتمة على توقعات الاقتصاد العراقي الذي يترنح أصلا نتيجة الوضع الأمني الصعب، وعدم الاستقرار السياسي، والفساد، وعدم فاعلية الحكومة، وضعف المؤسسات، وتقادم البنية التحتية.

في المقابل، الأحزاب السياسية العراقية تكافح في تجاوز خلافاتها لكسر الجمود السياسي المستمر في البلاد، والنتيجة قد تؤدي لمزيد من تأخير تشكيل الحكومة، أو حتى ما لا تحمد عقباه.

والأكثر من ذلك، حتى لو تم انتخاب المرشح لرئاسة الوزراء محمد شياع السوداني (أو أي شخصية عراقية أخرى)، ليحل محل رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، أو حتى لو أعيد تعيين رئيس الوزراء الكاظمي، فإن صنع السياسات في ظل نظام المحاصصة سيظل ضعيفا، ما يؤخر تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحسين توقعات الاقتصاد الكلي في العراق.

لقد ترك الافتقار إلى القيادة العراق في حالة من الفوضى والغموض، حيث لا توجد حتى الآن ميزانية لعام 2022، ولا تزال القرارات بشأن الإصلاح ومشاريع البنية التحتية الحيوية معطلة.

ورغم ارتفاع إيرادات الدولة بفعل صعود أسعار النفط ، فإن غياب ميزانية هذا العام يعني أن الحكومة لن تتمكن من إنفاق حصة مهمة من عائدات النفط.

وبدلا من ذلك، تم العثور على حلول طارئة لدرء النقص في الضروريات مثل الغذاء، والدواء، والوقود، والرواتب.

وصحيح أن تدفقات النفط من محطة التصدير الرئيسية في البصرة لم تتأثر حتى الآن بسبب الاضطرابات السياسية، لكن إدارة صناعة النفط تدهورت منذ الانتخابات الأخيرة، حيث لم يتمكن العراق من مواكبة الزيادات الشهرية في حصته التي تم إقرارها ضمن تحالف دول ”أوبك بلس“.

بحسب بيانات مؤسسة ”إنرجي إنتلجنس“ المتخصصة بالطاقة، كان إنتاج العراق من النفط في الربع الثالث من عام 2019 يتراوح بين 4.6 مليون و4.7 مليون برميل في اليوم، لكن يبدو مؤخرا أن تجاوز 4.4 مليون برميل في اليوم يعد أمرا صعبا.

كما أن العراق يعاني من ضعف الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، وبطء الموافقات الوزارية على العقود الكبيرة، وانخفاض الأرباح، وعقود رسوم البرميل لشركات النفط الدولية، وهي قضايا أدت إلى ردع المستثمرين الأجانب وتسببت في خروج شركات النفط الدولية الكبرى، مثل ”شل“ و“بي بي“، من البلاد في العامين الماضيين.

بالتالي، ما لم تمرر الحكومة لوائح صديقة للمستثمر قادرة على تحفيز الاستثمار في قطاع النفط والغاز، وهو أمر يبدو أنه غير مرجح بالنظر إلى البيئة السياسية الصعبة، فإن إنتاج العراق من النفط قد يتناقص تدريجيا، وتطوير قطاع الغاز قد يتعثر.

حتى بمجرد تشكيل الحكومة، قد يغذي الاستقطاب المتزايد بين القوى السياسية مرة أخرى معارضة قوية لصنع السياسات.

من المرجح أن يؤدي هذا إلى زيادة الإحباط الشعبي تجاه الطبقة الحاكمة، ما قد يدفع إلى موجات جديدة من الاحتجاجات و/أو اندلاع أحداث عنف بين الحين والآخر.

والأدهى أن اللاعبين المحليين المدعومين إقليميا أو دوليا لن يترددوا في استغلال السخط الشعبي لزيادة نفوذهم، ما يساهم في تعميق الانقسام السياسي في العراق.

في الوقت نفسه، من المرجح، نظرا للبيئة السياسية المضطربة، أن تمتنع الحكومة الجديدة عن تنفيذ إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة، مثل التخفيضات في الأجور العامة وإدخال ضرائب جديدة، من شأنها أن تقلل من تعرض العراق لتقلبات النفط.

بل على العكس حيث من المرجح أن تنطوي أي ميزانية جديدة على إنفاق أعلى في ضوء احتياجات التنمية الاجتماعية والاقتصادية الملحة في العراق، والتطورات السياسية الأخيرة.

بالتالي، في حالة حدوث انخفاض مفاجئ في أسعار النفط مستقبلا، ستضطر الحكومة إلى العودة للمربع الأول عبر خفض الإنفاق العام وإجراءات التقشف، ما يؤدي إلى خنق التوقعات الاقتصادية الطويلة الأجل للعراق كما حدث في المرات السابقة.

هنا تنبغي الإشارة إلى أن العراق لا يزال يعتمد بشكل كبير على قطاع النفط، الذي يمثل 95% من إيرادات الحساب المالي والجاري، بالإضافة إلى أكثر من نصف إجمالي الناتج المحلي، مما يتركه عرضة لتقلبات الأسعار.

في المحصلة، يمكن القول في ظل الأوضاع السائدة حاليا إن النظام السياسي في العراق الذي تأسس بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003 فقد معظم شرعيته إن لم يكن كلها، ودون تغييرات سياسية جذرية تؤسس بدورها لتحول المشهد الاقتصادي برمته، فإن العراق سوف يبقى يدور في حلقة مفرغة قد تؤدي لسيناريوهات كارثية مثل الدولة الفاشلة، والتقسيم، أو حتى تجدد اندلاع حرب أهلية، تجعل معها الحديث عن الاقتصاد وإصلاحه ترفا فكريا.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك