اتجاهات

المشهد الدولي الراهن ونبوءات هنتنغتون الخاطئة

خيرة الشيباني

خيرة الشيباني

أستاذة فلسفة وكاتبة تونسية

+A -A
تاريخ النشر: 29 يوليو 2022 12:03 GMT

من أشهر النظريات الفكرية السياسية ذات الطابع الجيوستراتيجي التي سادت بداية تسعينيات القرن الماضي، وأثارت جدلاً فكرياً واسعاً، كانت نظرية "صراع الحضارات" التي

من أشهر النظريات الفكرية السياسية ذات الطابع الجيوستراتيجي التي سادت بداية تسعينيات القرن الماضي، وأثارت جدلاً فكرياً واسعاً، كانت نظرية ”صراع الحضارات“ التي بسطها صموئيل هنتنغتون في مقاله الشهير ”صراع الحضارات“، الذي نشره في مجلة ”فورين أفيرز“ عام 1993، ثم طور مقاله في كتاب بعنوان ”صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد“.

تقوم الاطروحة المركزية في كتاب ”صراع الحضارات“ على فكرة أن صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية بسبب اختلافاتها السياسية والاقتصادية، بل إن الاختلافات الثقافية ستمثل ”المحرك الرئيس للنزاعات بين البشر في السنين القادمة“..

وستنفجر هذه النزاعات، كما أوضح هنتنغتون بين حضارات محتملة، عدّدها في كتابه، وعلى رأسها الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، مركزا على أن حدود الإسلام، على حد قوله، هي ”حدود دموية وكذا مناطقه الداخلية“.

وأشار، في هذا الصدد، إلى صراعات المسلمين مع الأديان الأخرى، مثل الصراع في السودان مع جنوبه، وبين الهند وباكستان، والصراعات داخل الهند نفسها بين المسلمين والهندوس، وصراعات المسلمين في آسيا الوسطى مع الروس.. إلى آخره.

في الفصل الأخير من هذا الكتاب، يدعونا صموئيل هنتنغتون إلى تأمل السيناريو التالي الذي كان يتنبأ بوقوعه خلال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين:

”لنفترض أننا في عام 2010، تكون عندها وحدة كوريا قد تحققت، وتقارب تايوان والصين قد حدث، وتكون هذه الأخيرة قد تشجعت على غزو فيتنام، ووجدت نفسها على وشك الدخول في صراع نووي مع الولايات المتحدة، وتكون الهند قد استغلت الفوضى فهاجمت باكستان، وهاجم ”العرب“ (هكذا يضعها بين مزدوجين) إسرائيل بشكل مكثف، وضمت اليابان قواها للصين لتدعمها، بينما دخلت روسيا الحرب ضدها..

وتكون الفوضى قد انتشرت في أوروبا؛ المسيحيون الكروات والصرب يقاتلون ضد مسلمي البوسنة و الألبان و الأتراك.. من الجزائر ينطلق صاروخ يحمل شحنة نووية لينفجر في ضواحي مدينة مارسيليا، على هذا الهجوم يرد حلف الأطلسي بضربات على بلدان المغرب العربي، ويقبل بروسيا عضوا في الحلف..“.

وفي مقام آخر يستبعد هنتغتون حدوث حرب بين روسيا وأوكرانيا قائلاً:

”إذا سادت وجهة النظر الحضارية، فمن غير المرجح حدوث صراع بين الأوكرانيين والروس، فهما شعبان سلافيان وفي المقام الأول أرثوذكسيان، تربطهما علاقات حميمة منذ قرون، ويشيع بينهما الزواج المختلط“.

كما يذهب مؤلف ”صراع الحضارات“ إلى سيناريو أكثر تفاؤلاً يُقام على أساسه تعاون وثيق بين البلدين ويكونان بذلك ”أساس الوحدة في العالم الأرثوذكسي“.

لقد وجدت هذه الأطروحة هوى لدى الإسلام السياسي، وبالذات لدى الحركات الجهادية التي تقول بحتمية الصراع بين المسلمين من جهة وبين المسيحيين والرأسماليين و“حضارتهم“ من جهة أخرى، ولكن العديدين من المفكرين وعلماء السياسة وكتّاب الرأي تصدوا لها بالنقد، وعلى رأسهم فؤاد عجمي وإدوارد سعيد وفوكو ياما وروبرت رايت..

وهذا الأخير صاحب كتاب ”ليس العدم.. منطق المصير البشري“، الذي يرد على أطروحة هنتنغتون قائلاً: “ إن كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية وتايوان والصين وسنغافورة واليابان كلها دول متفاوتة ثقافياً، ولكنها متنافرة جداً، والديمقراطيات الراسمالية المزدهرة من كوريا الجنوبية إلى تايوان تشكل انتهاكاً صارخاً لمنطق هنتنغتون“.

وينسحب هذا النقد لأطروحة صاحب صراع الحضارات على العديد من الأمثلة التي حفل بها كتاب هنتنغتون.

ويستأنف الكاتب توماس ماهلر على أعمدة مجلة ”إكسبريس“ الفرنسية هذا النقد، ولكن ليس من جهة المرتكزات النظرية لأطروحة هنتغتون بل من جهة التنبؤات التي سجلها في الفصل الأخير من كتابه، وهي التنبؤات التي تشير إلى إعادة تشكيل بعض مفاصل المشهد الدولي، حيث يقول هاملر: ”بعد هذه النبوءة أصبحت فكرة انتماء روسيا إلى الناتو خيالا علميا“.

ونجد الكوريتين منفصلتين أكثر من أي وقت مضى، وبالنسبة للصين وتايوان فإنه وفقاً لدراسة أجرتها جامعة تشنغشي الصينية لا يمكن للجزيرة والقارة الاقتراب، فبينما كان 20 بالمئة من سكان تايوان يعرفون أنفسهم بأنهم ”تايوانيون فقط“، فإن هذا الرقم قد ارتفع اليوم إلى أكثر من 62 بالمئة، وينتشر هذا الشعور الوطني خاصة بين الشباب.

وكما هو الحال في العديد من النبوءات، كما يضيف توماس ماهلر، فإن المطاف انتهى بفرضية هنتنغتون إلى التجاوز في ما ذكره عن العلاقة بين روسيا وأوكرانيا، حيث ”يكون التعاون بينهما أساس الوحدة في العالم الأرثودوكسي“، فيكفي أن نشاهد نهر الدم الذي يجري بين الشعبين السلافيين، وأن نتفحص العوامل الاقتصادية والجيوستراتيجية التي تقف وراء غزو روسيا لأوكرانيا لنتأكد من فشل نبوءته.

وإذا ما كان صعود الحركات الجهادية بعد أحداث سبتمبر 2001 والإعلان عن دولة داعش قد أضفيا على فكرة أن الحضارة الإسلامية مولدة للعنف على هذه الأطروحة بعض الشرعية لشبكة قراءة صاحب ”صراع الحضارات“، في نظر البعض، فإن النزاعات و الانقسامات تبدو أشد فتكاً في العالم الإسلامي اليوم منها بين الكتلة الإسلامية المفترضة والغرب.

ويدعم توماس ماهلر دحضه نبوءات هنتنغتون بما ورد على لسان فريد زكريا، وكان هذا الأخير طالباً لدى هنتنغتون في جامعة هارفارد ورئيس تحرير مجلة ”فورين أفيرز“ وقت نشر المقال، كما كان أيضاً أحد المراجعين لكتاب ”صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي“، لذلك يمكن اعتباره في وضع مناسب لتقديم نظرة متوازنة لأطروحة استاذه.

يقول فريد زكريا في نقده لأستاذه:

”كان سام الذي أحببته، محقاً في شيء ما، و كان مخطئاً بشدة في شيء آخر“، ويوضح زكريا رأيه كالتالي: ”كان محقاً في أنه مع نهاية الحرب الباردة، ستكون النزاعات قائمة على الإيديولوجيا أكثر من استنادها على الهوية، فلقد فهم أن البشر يحتاجون إلى شعور بالانتماء. نحن لا نناضل من أجل الاقتصاد أو من أجل قضايا السياسة الواقعية البحتة. يتحرك البشر من أجل شيء أكبر يتعلق بشرفهم وكرامتهم التي توفرها لهم الهوية. لقد رأينا هذا في السنوات الأخيرة مع التأكيد على الهوية الإسلامية، أو حتى الهوية البيضاء في بعض البلدان الغربية..

لكن هنتنغتون كان مخطئاً في الاعتقاد بأن حضارات بأكملها ستعمل ككتلة موحدة، حيث كانت هنالك ذات يوم كتلة رأسمالية وكتلة شيوعية خلال الحرب الباردة. على مدى ثلاثين عاماً، كانت هنالك صراعات داخل العالم الإسلامي أكثر مما كانت بين الدول الإسلامية و الغرب، السعودية وإيران على خلاف دائم، وفي أوكرانيا لدينا صراع بين جزأين من العالم الأرثوذكسي“.

وليس بعيداً عن هذا الرأي يرى اليوم جون ميرشايمر، وهو من أبرز ممثلي مدرسة الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية والذي كان قد أعلن عن عودة عالم متعدد الأقطاب تسود فيه كل أشكال التنافس بين القوى العظمى، أنه من الواضح أن التاريخ قد أبطل وجهة نظر هنتنغتون.

وأوضح: ”كنت أحترمه كثيراً، لكنني أعتقد أن فكرة أن الهوية الأساسية للناس هي حضارية تعد فكرة خاطئة. العالم اليوم هو عالم من الدول القومية وليس الحضارات، لذلك من الواضح أنه يمكن أن تكون حروب بين دول من نفس الحضارة“.

وهكذا لم يكن هنتنغتون نبياً ولا نصف نبي في تنبؤاته، ربما يكون بن لادن، الذي لا يؤمن بأفكار الغربيين ولا بقيمهم، هو الوحيد الذي رفعه إلى هذه المرتبة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك