اتجاهات

أخذ "المستحقات" صنعة (1 من 2)

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 28 يوليو 2022 9:40 GMT

لم أكن مبالغاً أو راغباً فقط في مشاكسة النقاد عندما كتبت ذات مرة أنه "مهما بلغ انشغال الفنان برأي النقّاد في فيلمه السينمائي أو مسلسله التلفزيوني، فلن يماثل ذلك

لم أكن مبالغاً أو راغباً فقط في مشاكسة النقاد عندما كتبت ذات مرة أنه ”مهما بلغ انشغال الفنان برأي النقّاد في فيلمه السينمائي أو مسلسله التلفزيوني، فلن يماثل ذلك انشغاله بمصير الدفعة الأخيرة من مستحقاته لدى المنتج“، بل كنت أتحدث عن تجارب مريرة شهدت عليها وخُضتها في هذا المضمار قبل أن يقوى قلبي و“ينشف عَظمي“ في التعامل مع المنتجين.

توسطت ذات مرة للصلح بين منتج بارز ونجم سينمائي صاعد، بعد أن قال النجم إنه لن يشارك في فيلمي لأنه يستحيل أن يعمل مع منتج استحلّ أكل حقه، واتضح أنه كان يتحدث عن الدفعة الأخيرة من مستحقات فيلم سابق وقدرها خمسة آلاف جنيه فقط لا غير، وهو مبلغ كان كبيراً قبل ”إغراق“ الجنيه، لكن ليس إلى الحد الذي تُقطع من أجله العلاقات إلى الأبد.

حين سألت المنتج عن الموضوع، لم ينكره ولم يحدثني مثلاً عن مصيبة ارتكبها النجم خلال التصوير استوجبت ”تعويره“ في أي مبلغ من باب تعويض الخسائر، بل اكتفى بابتسامة ”أورجازمية“ عريضة وقال إنه لم يعط النجم الدفعة الأخيرة لأنه أحس ”إنه ما يستاهلهاش“، وفي الآخر وحرصاً على ”تكبير الأفيش“ دفع المنتج ما عليه، بل وزاد أجر النجم الصاعد الذي عمل معه كثيراً بعد ذلك، وأدركت أنا أهمية الحصول على مستحقاتي كاملة قبل تسليم التنازل، وحين سألني المنتج متغاضباً ”ما عندكش ثقة فيّ“، قلت له ضاحكاً: ”في طبعاً بس حاسس إنك ما تستاهلهاش“.

لحسن الحظ خدمت الظروف المؤلفين حين جعلت عملهم ينتهي نظرياً بجاهزية السيناريو للتصوير، وساعدهم القانون نظرياً حين كفل لهم إيقاف تصوير الفيلم أو عرضه ما لم يحصلوا على حقوقهم المادية طالما كانوا أذكياء كفاية ولم يقوموا بتسليم تنازل عن حقوق مادية لم يحصلوا عليها..

ولذلك لم أتعرض لأكل حقوقي من أي منتج سينمائي، لكنني تعرضت لذلك حين عملت في كتابة المسلسلات التلفزيونية بسبب ظروف الإنتاج التلفزيوني الغريبة في بلادنا، والتي تجبرك على تسليم التنازل عن العمل فور بدء تصوير مسلسل لم تنته من كتابته كاملاً، لكيلا تقوم بتعطيل التصوير عن اللحاق بموسم العرض في شهر رمضان.

قبل سنوات قال منتج تلفزيوني شاركت مع أصدقاء في كتابة مسلسل له إنه سيعطيني أجري كاملاً لكنه مضطر لأن يخصم من الدفعة الأخيرة خمسة آلاف جنيه، وحين سألته عن السبب بدهشة قال ضاحكاً: ”عشان أحس إني اتشطّرت عليك في أي حاجة“.

وجدت السبب درامياً وجديداً، فلم أطالبه بالمبلغ، وحين فشل المسلسل كان واضحاً أن منتجه قرر أن يتشطّر في الخصم من أجور العاملين أكثر من شطارته في اختيار مخرج جيد والصرف على العمل بشكل لائق، لكنه في نهاية المطاف كان أرحم وأحنّ من مدينة الإنتاج الإعلامي التي صادرت نصف مستحقاتي المادية عن مسلسل (أهل اسكندرية) الذي ما زال ممنوعاً من العرض، ولم يدم غضبي طويلاً بعد أن عرفت أنه تم التحقيق مع المسؤولين عن المدينة، ليس لأنهم دفعوا لي نصف المستحقات، بل لأنهم أنتجوا المسلسل من أصله.

قبلها بأعوام وقبل أن يلمع اسمي في كتابة السيناريو، ويصبح النصب عليّ صعباً ومثيراً لمشاكل قد لا يفضلها المنتجون، حاول منتج تلفزيوني صاعد واعد أن ينصب عليّ في مبلغ قدره 15 ألف جنيه كنت أستحقه عن قيامي في مطلع الألفية بإعداد برنامج (من سيربح البونبون) الذي قام بتقديمه أحمد حلمي النجم الأكثر شعبية بين الأطفال منذ أن بدأ تقديم برنامج (لعب عيال) في الفضائية المصرية نهاية التسعينيات.

كان حلمي قد اعتذر لأكثر من مرة عن القيام ببرامج تلفزيونية منذ أن بدأ نجاحه السينمائي في فيلم (عبود على الحدود)، لكنه وافق على العودة إلى تقديم برنامج للأطفال بسبب ظروف الاستعداد لزواجه من منى زكي وعدم رغبته في عمل أفلام لا يحبها، وحين طلب مني أن أقوم بكتابة أسئلة البرنامج، وافقت لأنني كنت أعيش زنقة مادية ظننت أن البرنامج سيفكها سريعاً، فقمت بعمله دون توقيع عقد، وهو ما سهّل مهمة المنتج في النصب عليّ، وبدلاً من اللجوء إلى النيابة والمحاضر والمحاكم والوسائط، استخدمت مهاراتي ككاتب سيناريو واستعدت حقي قبل أن يضيع إلى الأبد.

كنت قد شعرت أن الحكاية فيها إنّ، حين توقف المنتج اللعين عن الرد على اتصالاتي المتتالية، ولذلك قررت أن أطُبّ على مكتبه وفي دماغي خطة غير مضمونة لكنها تستحق المحاولة.

رحّب بي المنتج بابتسامة صفراء حين رآني أمامه في المكتب، معتذراً عن عدم رده على مكالماتي لأن تليفونه المحمول ضاع، وطلب مني تسجيل رقمي ليتمكن من التواصل معي، وحين سألته عن مستحقاتي تصنع الأسى وهو يقول إنه لن يستطيع دفعها، لأنه لم يقم ببيع البرنامج لمحطات تلفزيونية كثيرة كما كان يتوقع.

ساعدني الإعداد النفسي المسبق على البدء الفوري في تنفيذ الخطة، حيث تلقيت كلامه بهدوء شديد، فلم أقل له إنني أعرف أنه حصل على مبلغ ضخم من بيعه البرنامج لقناة راديو وتلفزيون العرب، ولم أسأله مثلاً لماذا دفع مستحقات أحمد حلمي كاملة بينما استحلّ أكل حقي؟ بل اكتفيت بهز رأسي تعاطفاً معه وقلت بهدوء إنني أتفهم موقفه وحزين جداً من أجله.

حين نظر إليّ باستغراب، أضفت أنني أعتب عليه لأنه لم يشركني في أزمته، وهو يعلم أنني عملت في أكثر من قناة فضائية وأمتلك علاقات جيدة ببعض كبار العاملين في المجال، وسيكون من دواعي سروري أن أساعده في بيع البرنامج، لكنني في حالة حدوث ذلك لن أكتفي بالحصول على باقي مستحقاتي، بل سآخذ فوقها نسبة من المبلغ الذي سيباع به البرنامج لأي قناة فضائية، لن تقل عن عشرة في المئة.

ساعد طمعه على أن تغمز الصنارة سريعاً، فبادر إلى طلب تخفيض نسبتي من البيع المنتظر لتصبح خمسة في المئة فقط، وهو ما وافقت عليه بعد تمنّع، لكن الصيدة لم تكن ستكتمل على الوجه الأمثل، لو لم أكن سأقوم بإعداد جيد للعملية التي كان من أهم خطواتها أن أختار مشترياً يصعب على أمثاله الوصول إليه لكي يعرض عليه البرنامج بنفسه، وكان لا بد أن ألجأ إلى أحمد حلمي لكي يساعدني على إنجاح العملية، فلم يتردد مشكوراً في المساعدة، بل قرر أن يساعد على تثبيت الصنّارة بإضافة كانت ضرورية لاستعادة مستحقاتي المسلوبة.

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك