اتجاهات

البحث عن حجازي

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 21 يوليو 2022 5:22 GMT

"إنسى، كله إلا عمك حجازي، ده ما بيقابلش حد خالص، زي جمال حمدان كده بالضبط". كنا نسمع ذلك كثيراً نحن القادمين إلى القاهرة من مشارب شتى، ونحن نطارد أحلامنا في أن

”إنسى، كله إلا عمك حجازي، ده ما بيقابلش حد خالص، زي جمال حمدان كده بالضبط“.

كنا نسمع ذلك كثيراً نحن القادمين إلى القاهرة من مشارب شتى، ونحن نطارد أحلامنا في أن نلتقي بكل من نحبهم من عظماء مصر ومبدعيها الذين شكّلوا وجداننا.

كان ذلك في عام 1991، وكانت أغلب الأسماء العظيمة في الساحة الثقافية قد انزوت فريسة للمرض أو التهميش أو التجاهل أو الاكتئاب، لكن الجسد الثقافي ظل يقاوم، وكان لا يزال بوسعك أن تلتقي وجهاً لوجه بالكتاب والفنانين الذين تحبهم في ندوات ثقافية يعقدها أتيليه القاهرة أو حزب التجمع أو معرض الكتاب أو صالون إحسان عبد القدوس.

كنا نشعر بالحزن لأن القائمة الذهبية التي صنعها كل منا لأبطاله تتناقص يوماً بعد يوم بفعل الموت أو المرض العضال، لكننا اليوم ندرك كم كنا محظوظين مقارنة بالأجيال التي تلتنا، والتي نسأل الله لها أن يعينها ويهديها إلى أن تعوض ما فاتها بالإقبال على التراث الرائع الذي تركه عظماء مصر الراحلون، والذي يواصل من ما زال حياً منهم الإضافة إليه كل يوم.

أيامها، حاولت لأكثر من مرة أن أصل إلى الدكتور جمال حمدان، ليس لأنني كنت قد عرفت قيمته أو قرأت كتبه، بل لأن الوصول إليه كان مغامرة صحفية يحلم بها الكثيرون، وبالطبع فشلت كما فشل كثيرون غيري، حتى فجعنا في عام 1993 بخبر مصرعه الغامض المأساوي الذي جعل كثيرين منا يبدأ في القراءة له ويفهم مشروعه الفكري ويأخذ موقفاً منه على بيّنة.

كان الأمر مع أحمد حجازي الرسام الشهير مختلفاً، فقد كنا نعشقه ونعرف قيمته مبكراً، لأن أبناء جيلي والجيل السابق له تربوا على رسوماته الساحرة في صحيفة الأهالي ومجلات روز اليوسف وصباح الخير واليسار، وقبلها بالطبع مجلتا ماجد وسمير، وكان فنه هو والعم بهجت عثمان والعم محيي الدين اللباد والعم إيهاب شاكر جزءاً من وجدان الأكبر سناً من أفراد عائلاتنا، وبالتالي صار جزءاً من وجداننا.

لحسن الحظ، شرُفت بمعرفة الأساتذة الكبار بهجت واللباد وإيهاب، لكنني لم أكن حسن الحظ مع حجازي، فقد بدأت حياتي المهنية في الوقت الذي قرر فيه حجازي أن يعتزل الناس اختيارياً ويتوقف حتى عن رسم الكاريكاتير إلا نادراً..

فقد كان لديه تقليد رائع يقوم به كلما صدرت صحيفة جديدة، حيث كان يرسل لها كاريكاتيرا جديداً يحييها به ويدعمها، فعل ذلك مع صحيفة العربي الناصرية، وفعله معنا في صحيفة (الدستور) في إصدارها الأول منتصف التسعينيات.

ما زلت أذكر مشاعر الفرحة العارمة التي اجتاحتنا ونحن نرى كاريكاتير حجازي يخرج أمام أعيننا من ظرف أبيض كبير أرسله مع أحد سعاة روز اليوسف بعد أن اتفق معه صديقه الشاعر إبراهيم داوود على أن يرسم لنا كاريكاتير تحية وتشجيع، أخذنا نحتضن بعضنا ونهنئ أنفسنا على هذا النصر الساحق، قبل أن يسأل كل منا ”طب ما ينفعش نزوره عشان نشكره“، ثم أحبطنا عندما عرفنا أن هذا هو آخر ما يمكن أن نصل إليه من حجازي..

حتى عندما أقيمت في نهاية عام 1995 أمسية فنية لتكريمه في المسرح القومي، ذهب المئات إليها بشغف لينتظروه، لم يحضر حجازي يومها للأسف، وبرغم ابتهاجنا بالليلة الجميلة عدنا حزانى لأننا لم نستطع أن نعبر له عن محبتنا له وجهاً لوجه.

توقفت عن محاولة المثول في حضرة حجازي بسبب صديق عمره الفنان العظيم بهجت عثمان الذي ذهبت لزيارته في عام 1999، وحين وصف لي بيته قال إنه يقع في ميدان الباشا بالمنيل، وأضاف ضاحكا ”على فكرة الباشا ده يبقى عمك حجازي، هو ساكن يمين الميدان وأنا ساكن شماله“..

وذهبت يومها وأنا أحلم بأن أقنع بهجت أن يتصل بحجازي ويأخذ لي موعدا منه، لكي أحوز المجد من طرفيه في يوم واحد، وكنت أتمنى أن أري حجازي صفحة أعددتها احتفاءً بعيد ميلاده في جريدة (الجيل)، واخترت لها عنوان (أريد حبا وحجازي).

يومها وجّه لي العم بهجت نصيحة صادقة حين قال: ”عمك حجازي بقى خلاص بيتضايق من الناس.. مش انت بتحبه؟ اللي يحب حد مايضايقوش“، ومن ساعتها لم أكرر محاولة البحث عن حجازي أبداً، وحتى عندما نجح الصديق محمود صالح رحمه الله في التعرف على حجازي والاقتراب منه، بل وأجرى معه حواراً نادراً وفريداً من نوعه، ونقل لي بعدها كلاماً جميلاً قاله حجازي عما أكتبه، تذكرت كلمات بهجت عثمان فلم أطلب منه أن يتوسط لي لكي ألتقيه.

في مطلع عام 2000 سمعنا عن قيام الشاعر العظيم فؤاد قاعود صديق حجازي الحميم بكسر باب الشقة عليه، بعد أن غاب عنه يومين دون أي اتصال، ليجده راقداً بين الحياة والموت، ويتمكن من إنقاذه بأعجوبة، وسمعنا أن ذلك تكرر إلى أن قرر حجازي إنهاء معاناة أصدقائه، عندما قرر أن يترك القاهرة ويعود إلى مسقط رأسه في طنطا، بهدف أن يموت وسط عائلته، وقد تحقق له ما أراد بعد سنوات.

لم يكن أحد ممن أعرفهم يفهم هذه الرغبة العارمة في التواري عن الأضواء وإنكار الذات. كنا نتداول تفسيرات سياسية ونفسية واجتماعية، لكن حجازي كان لديه تفسير آخر يقوله لكل من يزورونه في معتزله: ”خلاص، لم يعد لدي ما أرسمه“، نفس التفسير الذي قاله لي بهجت عندما سألته حول سر توقفه عن رسم الكاريكاتير السياسي والاكتفاء بالرسم للأطفال.

كان الفنانان الكبيران ينتميان إلى مدرسة مختلفة في الحياة، ويقدمان تصورا مختلفا للفنان غير الذي كان شائعاً بيننا، ليس هناك تصورات منتفخة عن الذات ولا سعي للتنظير ولا حرص على الحصول على التقدير والحفاوة. كان حجازي يقول دائماً لكل من يطلب منه تقديم تفسيرات لعبقريته وتدفقه وغزارة إنتاجه: ”ما فيش تفسير ولا عبقرية ولا أي حاجة من الكلام الكبير ده، الحكاية ببساطة إن الرسم ده أكل عيشي وما باعرفش أعمل حاجة تانية“.

حكى لي فنان الكاريكاتير الرائع سمير عبد الغني حكاية ذات دلالة عن أستاذه حجازي، كان قد اتصل به في طنطا في آخر عام قبل رحيله، وحكى له كيف ضحك من قلبه عندما رأى رسماً قديماً لحجازي نشره في مجلة صباح الخير في الخمسينيات، وفوجئ بحجازي يقول له بحرقة: ”انت زعلتني كده يا سمير.. معنى إنك ضحكت معناها إن الأزمة اللي كنت راسم عنها لسه ما اتحلتش“.

عندما وجد حجازي أن كل ما يرسم عنه يتكرر بنفس التناحة والكلاحة بل ويزداد فجوراً وعناداً، قرر أن يقاوم تناحة الواقع بطريقة جديدة، فيرسم فقط للأمل الباقي، للأطفال، وحين رأى أن الأطفال الذين اكتفى بالرسم لهم طيلة العقدين الأخيرين من حياته صاروا كباراً وشاركوا في صناعة ثورة يناير، فرح بهم من كل قلبه، وقرر أن يستريح ورحل إلى جوار ربه بعد قيام الثورة بشهور، ولعله كان في غاية السعادة في أيامه الأخيرة، لأنه اعتقد أن كل ما رسم عنه من كوارث وأزمات، بدأ طريقه إلى الحل والتغيير، وظن ـ وليس كل الظن إثماً ـ أن رسوماته لن تجد طريقها للنشر إلا في صفحات التراث التي تثير سخرية الأحفاد ودهشتهم من واقع أجدادهم المرير.

ألف رحمة ونور عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك