اتجاهات

إلى صديق "مزمن"

خالد شيا

خالد شيا

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 29 يونيو 2022 12:34 GMT

قبل أن تتحول عيوننا إلى زجاج، كان الاحتفاء بالحياة لا يحتاج إلى مناسبة وطقس ونية مبيتة؛ كان الأمر بالغ البساطة، وأقول الآن بثقة: بالغ الترف؛ شروط الحفل حينها،

قبل أن تتحول عيوننا إلى زجاج، كان الاحتفاء بالحياة لا يحتاج إلى مناسبة وطقس ونية مبيتة؛ كان الأمر بالغ البساطة، وأقول الآن بثقة: بالغ الترف؛ شروط الحفل حينها، كانت صديقا يشبهك، متاحا دائما، تتقاسم معه كيمياء الضحك، وموهبة الإنصات، وتوريط آخرين، نحبهم، في الجهر بحماقاتهم، وأوهامهم، وأحلامهم السرية، وخططهم التي يحيكونها منذ الولادة، بتكتم شديد، لمحاربة طواحين الهواء.

الأيام كانت مدار فرجة، والكوميديا صافية، مقطرة، لا تحتاج إلى أية إضافات، والجهد الوحيد المبذول (وكان يتطلب أحيانا صبرا بطوليا)، هو تفادي التقاء النظرات مع ذلك الصديق، ريثما تحين اللحظة المناسبة لإطلاق العنان لدموع الضحك، وكلما خفت الإيقاع، أعاد أحد الصديقين، التذكير بجملة خرقاء، أو مشروع عمر مرتجل، لأحمق باح به بكل ما يقتضيه الوقار، وهو يحدق بالسقف في أواخر السهرة، مراهنا على أن الجميع نيام.

مشاريع حب، وسياسة، وموسيقى، وكتابة، وشعر شعبي، وتمثيل، وثراء فاحش، وعزلة، وتسكع في عواصم العالم، وتعلم خمس لغات حية على الأقل لقراءة أمهات الكتب بلغاتها الأصلية، بدلا من البقاء تحت رحمة المترجمين.

في ذلك الزمن البعيد، كانت مادة الضحك لانهائية؛ والآن، نكتشف أنها ”الزوادة“ الوحيدة، الحقيقية التي أبقتنا على قيد الحياة، وكلما تقدمنا في العمر نطلب نجدتها لإنقاذنا من الضجر.

كانت مشروعات التخرج النظرية في الجامعة لا تعني أي شيء، وربما لم يقرأها أحد، باستثناء معد المشروع وهو يلهث لإكمال الحد الأدنى لعدد الصفحات، ويحلم بيوم خروجه من المطبعة، ليرى اسمه على الغلاف، ويفتح صفحة الإهداء ليقرأ بارتجاف، ومهابة، كل حرف من الكلمات المعدودة الذي بدأ في كتابتها منذ عامه الجامعي الأول على الأقل، وراجعها مئات المرات قبل أن يعتمد النسخة النهائية للإهداء المنتظر.

الإهداءات في مشروعات التخرج، وفي أول مجموعة شعرية أو قصصية طبعها صديق على نفقته الخاصة لتسليمها باليد إلى من يهمه الأمر، كانت كنزنا الكبير للضحك، وكم من ليلة حاولنا فيها النوم عند الفجر، لكن أحدنا يطلق قهقهة عالية في الظلام، فننهض من جديد لاستكمال الفرح حتى الصباح.

أتذكر، أن تلك المطبوعات، كانت تحظى بعناية فائقة، وتنتقل معنا عند تبديل السكن، قبل أن نصل (مع تضخمها المفرط) إلى حل لا يخلو من قسوة: نزع صفحات الإهداء الثمينة، ورمي كل النسخ في حاوية المهملات.

البهجة، هي العنوان العريض لتلك الصفحات المنزوعة من نسخ الورق المهدر: ”إلى اللاأحد“، ”إلى نفسي“، ”إلى من يستحق“، ”إلى من راهن على نجاحي“، ”إلى (…)“، ”إليه“، ”إليها“، ”إلى عمي أبو علي“ (نكاية بعمه الآخر أبو رامي)، ”إلى أ. و“ (انتقاما من خطيبته السابقة التي نعرفها ك. د)، ”إلى صديقي بابلو نيرودا“، ”إلى الحياة“، ”إلى الجنون الحقيقي“…

أعرف اليوم، أنني مدين بامتنان عميق، عميق، لأولئك الحمقى الذين صنعوا الضحك والحياة؛ وأعرف أيضا، أنهم يبادلونني الامتنان ذاته كلما عادوا إلى دفاترهم القديمة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك