اتجاهات

حزب الله على طاولة غانتس

نظير مجلي

نظير مجلي

كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية

+A -A
تاريخ النشر: 20 يونيو 2022 7:04 GMT

لا أدري إن كان قادة حزب الله في الضاحية يعرفون تماما، كم هو كبير اهتمام القيادة الإسرائيلية به، وأن تقارير باسمهم تُطرح على جدول الأبحاث في عدة مرافق سياسية

لا أدري إن كان قادة حزب الله في الضاحية يعرفون تماما، كم هو كبير اهتمام القيادة الإسرائيلية به، وأن تقارير باسمهم تُطرح على جدول الأبحاث في عدة مرافق سياسية وعسكرية وامنية، باستمرار. وفي الأسابيع الأخيرة، زادت هذه التقارير والأبحاث.

أتخيل أن حزب الله يجري أيضا أبحاثا كهذه في بيروت، وبالتأكيد في طهران. ودائما مهمة أبحاث كهذه يجريها العدو حول عدوه، وتكون مهمة أكثر إذا كانت تجري بشكل مهني، من دون خداع للذات.

كما هو معروف، يوجد قادة كثيرون يستخفون بعدوهم، وعند الامتحان يدفعون الثمن باهظا. وفي أحيان أخرى، يكون العدو فقيرا بمعلوماته، فيخطئ في حساباته.

هناك مَن يرسم لعدوه صورة تناسب رغباته وأمنياته ولا تكون الصورة مطابقة للواقع، فتكون الخسائر بحجم الأمنيات. وكم من الحروب فشلت، وكم من البشر قُتلوا أو جُرحوا وأصبحوا معوقين، ليس فقط بسبب الحروب بذاتها وحسب، بل أيضا بسبب هذه الإخفاقات.

لقد وقع بين يدي، قبل أيام، تدوين لوقائع إحدى جلسات البحث حول حزب الله اللبناني في أحد الاجتماعات الكثيرة التي عُقدت في تل أبيب مؤخرا، بمشاركة مسؤولين عسكريين وأمنيين وبعضها بقيادة وزير الأمن، بيني غانتس..

وكان عنوان البحث عموميا جدا: ”بمناسبة مرور 40 سنة على حرب لبنان الأولى“، ولكنه أصبح خلال البحث أكثر وضوحا وعينية، وتناول أيضا مسألة استئناف الوساطة الأمريكية حول الحدود الاقتصادية في البحر المتوسط، ما بين إسرائيل ولبنان، فليس كل ما تم تدوينه كان واضحا ومقروءًا، ولكن الجوهر بدا مثيرا، وجاء فيه ما يلي:

”حرب لبنان الأولى في سنة 1982، جرت بغرض إبعاد التهديد العسكري ضد إسرائيل من حدودها الشمالية، وقد تم ذلك فعلا، على أثر وصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت، والاتفاق الذي أدى الى خروج قادة منظمة التحرير ومقاتليها من لبنان. ولكن، اليوم، بعد 40 سنة، عدنا الى المربع الأول ويوجد حزب الله الذي يشكل تهديدا أكبر بكثير، فعدد قواته أكبر ولديه إيديولوجيا وتقف وراءه دولة معادية مثل إيران“.

عندما تقرأ تلخيصا كهذا، تنتظر أن تقرأ استنتاجا منطقيا. والطبيعي، في مثل هذه الحالة، أن تكون خلاصة الاعتراف بأن الحرب ليست ذات جدوى؛ فنحن نتحدث عن حرب مأساوية قُتل فيها لا أقل من 1216 جنديا إسرائيليا (من 1982 وحتى 2000) وجرح 3750 جنديا، وقُتل فيها من جيش لبنان الجنوبي الذي عمل إلى جانب الإسرائيليين 660 جنديا وجرح 250، وقُتل 18 ألف عربي، بينهم 10 آلاف جندي سوري وفلسطيني ولبناني، والبقية مدنيون، بعضهم سقطوا في مذابح صبرا وشاتيلا وقانا وغيرها.

وفي حرب لبنان الثانية قُتل 144 مدنيا إسرائيليا بينهم 19 مواطنا عربيا من فلسطينيي 48 و121 جنديا، و940 مدنيا لبنانيا وفلسطينيا و43 جنديا لبنانيا وحوالي 700 مقاتل من حزب الله وخمسة جنود من قوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة. وهذا عوضا عن الدمار الهائل في لبنان والدمار غير القليل في البلدات الإسرائيلية في الشمال.

كل هذه الضحايا، بغض النظر من أي طرف، لم تكف للاستنتاج بأنه حان الوقت لوقف الحرب ومنع أية فرصة لنشوبها مرة أخرى. ولكن، الأبحاث والمداولات والدراسات جاءت في إطار التمهيد للحرب القادمة، وكأن ما يصيب لبنان من ويلات وأزمات لا يكفي، وكأن ما دفع من ثمن حتى الآن، من كل الأطراف، هو ثمن رخيص. وآلة الحرب تحتاج إلى مزيد من لحم البشر، وصانعو الأسلحة يحتاجون لمزيد من الأرباح، والناس يستغيثون ولا يسمعهم أحد.

في التقرير الإسرائيلي المذكور يشيرون إلى حزب الله على أنه ”معاد لإسرائيل بشكل قاس، ولكنه يتمتع بقيادة متعقلة، تعرف حدود القوة، وترتدع، وتلتزم بالاتفاقيات معها.

منذ حرب لبنان الثانية، تحافظ على شروط وقف النار، باستثناء بعض الحالات النادرة، ولكنها تعمل على بناء قوة عسكرية ضخمة، تمتد أذرعها حتى إلى سوريا، وتبني ترسانة أسلحة جبارة. ولا تستورد السلاح من إيران فحسب، بل تقوم بصنع وتطوير الأسلحة بذاتها، إلا أن الحزب يدرك أن وضعه في لبنان لم يعد كما كان حتى وقت قريب. صحيح أنه مستقر في الطائفة الشيعية لكنه يتعرض لانتقادات شديدة في الشارع اللبناني كله، وحتى داخل طائفته..

رئيس الحزب حسن نصر الله يتمتع بسمعة طيبة ويُعرف بالاستقامة، لكن رجالاته في قيادة الحزب وممثليه في الحكومة والبرلمان يواجهون أصعب الانتقادات، يتهم بعضهم بالفساد، ويشار إلى بعضهم على أنهم مبذرون بشكل فاحش ويعيشون برفاهية وفخامة لا تلائم حزبا ثوريا؛ يقيمون أعراسا ملوكية لأولادهم ويسكنون في فيلات كالقصور، والمجتمع يعاني وهم يبذرون.. نشيط حزب الله، يحصل على راتب يضاهي راتب جنرال في الجيش اللبناني، الأول يحصل على راتبه بالليرة اللبنانية المتآكلة قيمتها، والثاني يحصل على راتبه بالدولار الأخضر“.

ليس مهما إن كان ما جاء في هذا التقرير صحيحا أو لا، المهم أن هذا ”التشريح“ لحزب الله ولتاريخ الحروب، جاء ليبرر الحرب القادمة، برغم الاعتراف أنها لن تأتي بنتيجة مختلفة.. فما الذي يسيّر عقول الجنرالات في عصرنا وهم يبحثون ويدرسون ويحللون ثم يستعدون للخروج إلى القتال من جديد؟

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك