اتجاهات

الفرصة الضائعة

نظير مجلي

نظير مجلي

كاتب وباحث في الشؤون الإسرائيلية

+A -A
تاريخ النشر: 13 يونيو 2022 5:42 GMT

ما بين المزاح والجد، تحتفل الحكومة الإسرائيلية بمرور سنة على قيامها.. ورئيسها نفتالي بينيت ألقى خطبة احتفالية في مستهل جلستها العادية. بنيامين نتنياهو، الذي

ما بين المزاح والجد، تحتفل الحكومة الإسرائيلية بمرور سنة على قيامها.. ورئيسها نفتالي بينيت ألقى خطبة احتفالية في مستهل جلستها العادية.

بنيامين نتنياهو، الذي يعتبر أكبر تهديد لهذه الحكومة، كان في تلك اللحظة على بُعد بضع مئات الأمتار، يدلي بإفادته أمام المحكمة التي أقامها ضد سلفه إيهود أولمرت، ليثبت بأنه وزوجته وابنه يائير ليسوا مجانين..

بينيت لم يستطع إخفاء رهبته، هو يعرف جيدا أن نتنياهو، معلمه في السياسة، ومجموعة ضخمة من قادة الصهيونية اليمينية والدينية، يتربصون به ويقتربون كثيرا من إسقاط حكومته. ومع ذلك راح يستغيث للجمهور: ”هذه واحدة من أفضل الحكومات في تاريخ إسرائيل“..

رئيس الوزراء البديل وزير الخارجية، يائير لبيد، الذي يعتبر مهندس هذه الحكومة وأكثر من عمل على تشكيلها، قال: ”إنني أحمد الله في صباح كل يوم على أنه حباني خدمة شعبي من خلال هذه الحكومة“.. وقد رد عليه وزير القضاء غدعون سار يقول: ”أنا أحمد الله على أن لبيد يحمد الله“..

فيما قال وزير المالية أفيغدور ليبرمان متهكما: ”الذين يعتمدون على الله هنا سيأخذوننا إلى المعارضة“، وقصد نواب الحركة الإسلامية والنائب المتدين من ”يمينا“، نير أورباخ.

وفي الواقع إن حكومة بينيت لبيد تشهد خضخضة شديدة توحي بأن عمرها بات قصيرا أكثر من أي وقت مضى. ومن يجري حسابا صحيحا حول أسباب فشلها يجد أن بينيت ونواب حزبه هم السبب الأساسي لذلك، لكن هناك شركاء آخرين.. كلهم يضيعون الفرصة الذهبية.

أجل، إذا تجاوزنا الأخطاء والفواحش التي وقعت فيها خلال السنة، ونظرنا بعمق للفكرة التي قامت على أساسها هذه الحكومة، فإنها فرصة غير عادية لإحداث تغيير في إسرائيل يكون ذا تبعات على المنطقة برمتها..

إنها جاءت بشراكة غير مألوفة في السياسة: ثمانية أحزاب من أقصى الأطراف والأطياف، اليمين المتطرف والوسط الليبرالي واليسار الراديكالي كلهم معا في الائتلاف ومعهم القائمة العربية الموحدة للحركة الإسلامية.

نجاح مثل هذا النموذج، كان من الممكن أن يترك أثرا ويحدث انعطافا في السياسة في عصرنا، وفي ظل انتهاج سياسة تمييز عنصري ضد العرب، طيلة 74 عاما، فإن إتاحة المجال أمام شراكة عربية في الحكم هي فرصة كبيرة الأهمية على مفاهيم الدولة العبرية وعدد من عقائدها السيئة، التي تعتبر أساسا لسياسة الاحتلال والتوسع.

لكن الطرف اليميني في الحكومة، وعلى رأسه بينيت، لم يعرف كيف يفرق بين الداء والدواء، ولم يحسن الأداء؛ من البداية قرر التهرب وعدم الاقتراب بتاتا من التفكير في تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولكن الهروب من هذا الصراع أمر مستحيل، تهرب منك فيلاحقك حتى المخدة في غرفة نومك، فكانت النتيجة انفجار الوضع في المسجد الأقصى وانفلات المستوطنين والرد الفلسطيني الحاد.

وبدلا من تهدئة الأوضاع مع السلطة الفلسطينية، التي تؤيد السلام مع إسرائيل، أقام تهدئة مع حماس والجهاد في قطاع غزة، اللتين لا تؤمنان بالسلام مع إسرائيل، وراح يستفز السلطة الفلسطينية ويخترق مناطق سيادتها ويقتحم بلداتها يوميا ويبطش بأهلها.

اليمين المعارض الذي يسعى بكل قوته لإفشال الحكومة والعودة الى الحكم، استغل الوضع ليطالب بالمزيد من البطش متهما الحكومة بالضعف، فراح بينيت يجاريه ويعطي المزيد، حتى بات الفلسطينيون يرون فيها أسوأ حكومة في تاريخ إسرائيل، وصار الأمر محرجا للشركاء العرب في الائتلاف..

فهم الذين أخذوا على عاتقهم دخول العرب الى شراكة، هي الأولى من نوعها وحجمها في تاريخ إسرائيل، وجدوا أنفسهم شركاء في المساس بشعبهم، وهم العرب الذين دخلوا السياسة من الباب الإسلامي ووجدوا أنفسهم في حكومة تمس بالمسجد الأقصى والحرم الابراهيمي في الخليل.

وعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققوها في خدمة المواطنين العرب، راحوا يتعرضون لضغوط من أجل الانسحاب، وبعض نوابهم رضخوا لذلك.

بهذه الطريقة يركضون ركضا إلى الخسارة، من بينيت على جميع شركائه، وحتى الحركة الإسلامية، فهم لم يستوعبوا حجم الفكرة، لم يدركوا درسا أساسيا هو الألف باء في القيادة؛ فإذا كانت ”السياسة هي فن الممكن“، فإن النجاح في السياسة هو ”جعل المستحيل ممكنا“.

وقد علمنا التاريخ أن الكثير من السياسيين الذي عرفوا جيدا كيف يمارسونها كفن الممكن، فشلوا لأنهم لم يعرفوا كيف يتقنون اقتناص الفرص وأضاعوا الفرص بأسهل الطرق.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك