اتجاهات

عندما تفقد "النخب" فضيلة الخجل

خالد شيا

خالد شيا

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 25 مايو 2022 12:58 GMT

قبل بضعة عقود، وعندما كانت الحياة السياسية العربية تمتلك شيئا من مقومات التوصيف، ما كان لعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، أن يتجرأ

قبل بضعة عقود، وعندما كانت الحياة السياسية العربية تمتلك شيئا من مقومات التوصيف، ما كان لعبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، أن يتجرأ على نعت رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب في بلاده، والقيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار، بـ“الحمار“.

بنكيران، الذي تولى رئاسة الوزراء بين عامي 2011 و2017، برر، وتمسك بهذا النعت لخصمه، بحجة حق الرد على من وصفه بـ“الذئب العجوز“..

واللافت أن كلا الرجلين في العقد السابع، ومن المفترض أنهما فارقا حقبة النزق، ووهم إسقاط الخصم السياسي بشتيمة جارحة، أو عبر دعوته لمنازلة على الملأ، بالقبضات العارية.

بالطبع، مغاربة كثر شعروا بالحزن والخجل لهذا المآل، وطالب بعضهم بعدم إقحام ”الحيوانات المسكينة“ في هذا الاشتباك الضاري، لكن تلك الدعوات زادت المعركة اشتعالا، فبدا الذئب والحمار كأنهما رمزان انتخابيان، وعنوانان عريضان لبرنامجين انتخابيين، التخلي عنهما يعادل الموت السياسي والتفريط بالكرامة الشخصية وهو ما اختصره بنكيران بتعليق حاسم: إذا سحب العلمي ذئبه أسحب حماري!.

ما يحدث في المغرب، مجرد عينة مما تطفح به على امتداد الوطن العربي، بيانات الأحزاب وخطب الانتخابات، والبرامج الحوارية، وندوات التحليل، واستطلاعات الرأي والتحقيقات الاستقصائية، والتقارير الإخبارية، والمقالات، وأمسيات القصة القصيرة.

لم يبقَ من قاسم مشترك، في وسائل الإعلام محدثة المهنة، ومواقع التواصل الاجتماعي، وأحاديث من يسمون أنفسهم نخبا في السياسة والفنون والثقافة والرياضة وعلم الفلك، إلا البذاءة، وهي الصفة التي كانت تطلقها تلك ”النخب“، بتعالٍ، وبغير حساب لإسقاط شخص ما وتصنيفه من طبقة ”العامة“.

الانتخابات التشريعية التي انتهت قبل أيام في لبنان – وبعيدا عن قراءة نتائجها – كانت كاشفة عن الدرك الذي انحدرت إليه السياسة في العالم العربي، ومستوى ”قلة الأدب“ في إدارة الخصومة، وتقبل الهزيمة ومواساة الذات المنتفخة، المجروحة، والأنصار المغيبين.

كان المشهد صادما للمتابع العربي وهو يرى لبنانيين – في بلد عرف عنه التحرر واحترام الحياة الشخصية للآخرين – يقحمون الأم والأخت والزوجة في معاركهم الانتخابية، ولا يجدون غير سيف الأعراض لكسب أصوات إضافية وإسقاط المنافس بالضربة القاضية.

ما حدث في لبنان، حدث أيضا قبل أشهر في الانتخابات العراقية، ويحدث الآن في تونس وليبيا والمغرب وفي كل بلد عربي يقرر الاحتفال بعرسه الديمقراطي.

”المحتوى الضار“ ليس حكرا على مرشحي الانتخابات، والساسة الموسميين، ويكفي التفرغ ليوم واحد، أو لساعات معدودة أمام الشاشة الصغيرة، حتى يتصبب المشاهد الطبيعي عرقا، من سيل الشتائم المقذعة، والألفاظ البذيئة، دون أن نعرف إن كانت جزءا من النص الدرامي، أو بصمة من نجم“ سوبر“ لا يجرؤ أحد على منعه من الارتجال.

من المشاهد الخالدة في السينما العربية، اشتباك ”الأستاذ حمام“ (نجيب الريحاني) مع ”الباشا مراد“ (سليمان نجيب) في فيلم ”غزل البنات“، وهما يقولان في ذروة انفعالهما: ”إنت مسحوب من لسانك.. وإنت دمك بارد“.

رحم الله الباشا و“الأستاذ حمام“ وزمن ”غزل البنات“.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك