اتجاهات

لبنان.. إعادة فرمتة تعمق الأزمة

مصطفى أبو لبدة

مصطفى أبو لبدة

صحفي وروائي

+A -A
تاريخ النشر: 18 مايو 2022 10:04 GMT

من بين أطنان ما قيل وكُتب عن الانتخابات اللبنانية، تكتسب شهادة ديفيد شينكر، المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، أهمية خاصة، كونها تعرض

من بين أطنان ما قيل وكُتب عن الانتخابات اللبنانية، تكتسب شهادة ديفيد شينكر، المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، أهمية خاصة، كونها تعرض الطريقة التي أدارت بها واشنطن مهمة إعادة ”فرمتة“ التركيبة اللبنانية التي تراها فاسدة بشكل مٌستعصٍ..

كشفها شينكر بسذاجةٍ لا نعرفُ إن كانت هي رؤيته الشخصية باعتباره بعد أن غادر العمل الرسمي عاد الى عمله الأساسي كمحراك (مانيبيوليتر) إعلامي في مؤسسة توصف بأنها محسوبة على منظمة الآيباك، أو أنه كان يتحدث كشاهد عدلٍ على الطريقة التي تدير بها حكومته سياساتها في الشرق الأوسط، بنهج يولّد الأزمات ويُديم استهلاك الشرق الأوسط.

إعادة فرمتة الجهاز، أي جهاز، هي، فنيّاً، إيقاف تشغيله مؤقتاً دون حذف أية بيانات أو نشاطات، من أجل استئناف العمل بشكل أفضل.

يتم ذلك عندما تتعطل المزامنة ولا يعود الجهاز يستجيب للنقرات والضغط على الأزرار ولا تعود تظهر عليه الإخطارات أو التذكيرات..

شيءٌ مشابه لهذا الحال، عرضه شينكر يوم 12 أيار / مايو الحالي، قبل ثلاثة أيام من الانتخابات اللبنانية، في ندوة أون لاين عن ”قضية حزب الله داخل المجتمع الشيعي اللبناني“.

فيها عرض كيف أن الإدارة الأمريكية (في عهد الرئيس دونالد ترامب) وّظفت أو حركّت الأزمة الاقتصادية اللبنانية على نحو دفع البلد نحو التصنيف كدولة فاشلة.

وعرض كيف جرى استغلال الفرص السياسية ”رأينا في الانتخابات البلدية اللبنانية فرصة لتوجيه هزيمة رمزية لحزب الله، مع معرفتنا بأنها ستكون هزيمة رمزية“.

قال إن ”الولايات المتحدة قامت برعاية أو زرع رجال أعمال شيعة لتعزيز الفرص الاقتصادية في المناطق الشيعية للمساعدة في وقف اعتماد هذا المجتمع على حزب الله.. عملنا بجدّ على ذلك وحققنا بعض التقدم، لكن جرّاء عدد من الأسباب بما في ذلك انفجار الميناء لم نستطع إدامة هذا التقدم“.

وكشف أن واشنطن دعمت المجتمع المدني الشيعي وذلك للترويج للنظرة التي لا ترى في المجتمع الشيعي كتلة واحدة.
قال إنهم في واشنطن كانوا يعرفون سلفاً عدم وجود أي تأثير للانتخابات البرلمانية في لبنان، وأعطى مثالاً على ذلك وضع جبران باسيل والتيار الوطني الحر حيث يُنظر إليهما بصفتهما فاسدين متواطئين مع حزب الله، ولا يعرف الأمريكان أين ستذهب الأصوات التي كانت محسوبة لهما.

كما أسهب في تشويه صورة المعارضة (دعاة التغيير)، فوصفهم بأنهم ”منقسمون بصورة لا تصدّق، معارضتهم مليئة بالقادة النرجسيين ذوي النزعة الفردية المهتمين بأن يكونوا رؤساء أحزابهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بإطاحة النخبة الفاسدة، وأعرب عن اعتقاده بأنهم ”سيأكلون بعضهم البعض“.

وختم شينكر بالبوح بما يتجاوز المطلوب منه في الندوة، قائلاً ”هذه الانتخابات لا أعتقد أنه يجب على الولايات المتحدة أن تراهن عليها بالكثير من الثقل أو الصدقية لما يجري فيها. ففي لبنان نظامٌ منتهك، والانتخابات في ظلّ قوانين انتخاب كهذا لن تُصلحه، للأسف“.

ثاني يوم للانتخابات، يوم الاثنين الماضي، عاد شينكر (يتحدث بلغة رطن عربية) ليقول مع قناة ”أل بي سي“ اللبنانية إن المجتمع المدني فاز بنسبة جيدة يمكن المراهنة على توسيعها مستقبلاً.

وسجّل لفتة بأن ”كل هؤلاء المرشحين لسوريا وللأسد، مثل أرسلان ووهاب وفيصل كرامي والفرزلي وأسعد حردان خسروا في الانتخابات“.

سُئل عن دقة ما كان فُهم من حديثه السابق بأن للولايات المتحدة دورا في تفجير الأزمة الاقتصادية من خلال توظيف خفض تصنيف الدولة في تقرير ”موديز“، فأجاب أن موديز مؤسسة مستقلّة وأن الولايات المتحدة ليس لها دور في خفض التصنيف..

كان جوابه دقيقاً في أن موديز هي التي خفضت تصنيف لبنان، لكنه كان يستهبل وهو يتجاوز ما كان كشفه، في الندوة ”أون لاين“، من أن ”واشنطن فرضت عقوبات على مؤسسات مصرفية مثل ”جمال تراست بنك“، ضمن حرصها وهي تنتظر إصدار مؤسسة موديز تصنيفاتها الائتمانية التي خفضت تصنيف لبنان.. ففي اليوم التالي (للتصنيف الجديد المنخفض) جمعنا الوثائق وقمنا بوصم البنك“.

في المحصلّة النهائية، وبغض النظر عن السبب الحقيقي وراء مثل هذه الشهادة التي استخدمها حزب الله وجوزيف باسيل في تبرئة أنفسهم، فإن ما كشفه شينكر حلّل للذين يصفهم (لفظياً) بالفساد، بأن يضعوا قواعد اللعبة مِنْ جديد بعد فرمتة ”الجهاز“ اللبناني، كما أحدثتها نتائج الانتخابات.

فجر يوم الاثنين، خرج رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، مستعجلاً الإعلان عن أن نتائج الانتخابات أعطته وحزبه قيادة التمثيل الماروني في لبنان، بما يعني رفع الشرعية الشعبية المسيحية عن حزب الله.. ليرد عليه حزب الله، بعد ساعات، على لسان النائب محمد رعد (في مناسبة عزاء) بقائمة جديدة شديدة اللهجة، تعيد فرمتة التركيبة وتضع الخطوط الحمراء الملونة بالتهديد بحرب أهلية.

حذّر رعد من إساءة قراءة نتائج الانتخابات، وهي التي كانت صحيفة ”الأخبار“ المحسوبة على حزب الله وصفتها بأنها نتائج ”لا تعدو أن تكون أفرزت برلماناً أغلبيته أقليات“.

اعترف أن المعادلة اختلت فعلاً، لكنه وصف معارضيه بأنهم يعملون لصالح إسرائيل والولايات المتحدة، وكان بذلك يستثمر أو يطوّع بعض ما أوحى به حديث شينكر.

وكناطق برلماني باسم الثنائي الشيعي (حزب الله وأمل) قال رعد: ”نشمّ رائحة انقلاب على تسويات الطائف“، وهي التي كان وُضعت عام 1989 وأنهت حرباً أهلية بإعادة ترسيم آلية العمل في تركيبة تتوزع طائفياً وزبائنياً في آلية بعضها غير مكتوب.

الفرمتة الجديدة للتركيبة اللبنانية، ضمنها رعد (حزب الله الذي يمتلك أوراق الفيتو السياسي والترعيب المسلّح) بإعادة فتح موضوع التنقيب عن الغاز في المياه المتوسطية للدولة، وهو موضوع مُثقل بالإيحاءات التي تبدأ من الاتهام بالفساد للذين حصروا التراخيص بيد شركات عدة دول محدودة، ولا تنتهي بالتلويح بتفجير عسكري لقضية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

ووصلت الفرمتة الجديدة لـ“الجهاز اللبناني“ حدّ تهديد حزب الله بإعادة النظر في ربط الليرة بالعملة الأجنبية. فقد اعتبر انهيار الليرة بأنه نتيجة ارتهانها للدولار“، وفي ذلك إيحاء بأن كل برنامج الإنقاذ الاقتصادي يمكن أن يعاد فتحه إذا جرى تغيير حقيقي على قواعد اللعبة.

هو مشهدٌ لبناني جديد أفرزته الانتخابات البرلمانية: فرمتةٌ أعادت إنتاج نفس التركيبة، لكن مع تغيير جزئي في الأحجام يُشرّع الأبواب لإطالة الأزمة، ويستحضر النموذج العراقي في الاستعصاء أو الانسداد.

كانت انتخابات بمزاج عام يبدو أنه ملّ من الجهر بالشتائم الفاحشة، لكنه لم يتورّع عن إعادة انتخاب نائبين متهمين في انفجار ميناء بيروت.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك