اتجاهات

شيرين أبو عاقلة.. كزهر اللوز أو أبعد

إبراهيم حاج عبدي

إبراهيم حاج عبدي

كاتب ومحرر أخبار رئيسي في موقع إرم نيوز

+A -A
تاريخ النشر: 13 مايو 2022 11:03 GMT

كتبت شيرين أبو عاقلة تقريرها الأخير بدمها، ومضت "كزهر اللوز أو أبعد"، بعد مسيرة صحافية استثنائية امتزج فيها حبر الكلام بصحوة الضمير، وتناغمت عبرها عدالة القضية

كتبت شيرين أبو عاقلة تقريرها الأخير بدمها، ومضت ”كزهر اللوز أو أبعد“، بعد مسيرة صحافية استثنائية امتزج فيها حبر الكلام بصحوة الضمير، وتناغمت عبرها عدالة القضية مع ضرورات المهنة، على نحو يندر أن نجد مثيلا لها في أي تجربة إعلامية، على المستوى العربي أو العالمي.

تميزت تجربة شيرين أبو عاقلة، والنهاية التراجيدية التي أطفأت كل هذا الشغف الصجافي بخصوصية حققت لها الفرادة في كل شيء، فهي على المستوى المهني كانت متمكنة ومجتهدة بلا حدود، وصبورة في البحث عن صوتها الخاص، وعلى المستوى الإنساني اختارت أبو عاقلة على الدوام الانحياز إلى هموم الناس وأشواق الحالمين، وآلام البسطاء في أرض مستلبة عنوانها الدائم هو ”الفقد والفجيعة“..

إخلاص شيرين أبو عاقلة لمهنتها وقضيتها، وصدقها في التعبير عنهما، كانا حافزا لتكون في المقدمة دائما، فليست البطولة في هذا الزمان أن تحمل سلاحا بل أن تتمسك بقضية، ولم تأبه شيرين يوما، من أجل ذلك، لأصوات الرصاص ووطأة الحصار والاقتحامات وآليات الجند ودوي المدافع وغدر القناصة، بل مكثت، وطوال ربع قرن، على مقربة من الموت كأنها كانت في ”جفن الردى وهو نائم“…

كانت تقارير شيرين أبو عاقلة من قلب الميادين المشتعلة تصدح بالحق من دون شعارات أو صخب، وترصد الوقائع بلسان من اختبرها وعايشها عن كثب، فهي نذرت نفسها لإظهار عدالة قضية وآلام شعب تنتمي هي إليه، لكن من دون البحث عن أمجاد شخصية، أو التطلع الى العمل في رفاهية الاستوديوهات..

دافعت عن الحقوق من الأزقة المهملة في المخيمات، ووثقت العنفوان والخيبات معا، وكانت أمينة في نقل الصورة كاملة دون نقصان لتحقق نجومية إعلامية بلا أي ادعاء؛ نجومية نبعت من إصرارها على ”النزاهة“ في أعلى معاييرها، رغم المغريات التي لا تحصى، وكانت جديرة بها..

ولفرط إخلاصها لمهنتها وقضيتها، آثرت أن تكون صادقة مع نفسها حتى الرمق الأخير، نعم ”حتى الرمق الأخير“، بكل ما تعنيه العبارة من معنى، فكانت الشاهدة والشهيدة..

ما قدمته شيرين لقضيتها فاق إنجازات الحكومات والمؤسسات الفلسطينية، فهي كانت تختار مفرداتها وكلماتها بعناية، وتضبط انفعالاتها، وتروي حكايات الفلسطينيين دون أي رتوش أو مصالح أو خضوع لهذه الأجندة أو تلك، فقد حضرت فلسطين الجريحة في كلماتها دائما..

كانت إطلالتها على الشاشة تعبر عن هويتها الفلسطينية المتجذرة في الأرض، تقف أمام الكاميرا بملامحها الجميلة التي لم تعرف مساحيق التجميل، وبهدوئها ورزانتها، وعينيها الحزينيتن اللتين كانتا تعكسان بريقا تشع بحقيقة عمن هو صاحب هذه الأرض..وكان إيقاع اسمها في نهاية كل تقرير تحيل إلى وطن محتل وحيد اسمه فلسطين.

الآن، مَن قتل شيرين؟ نعم، الجواب، بالضبط، هو ما يدور في ذهن الجميع: إنها ”قصة موت معلن“، فهوية القاتل معروفة حتى وإن أنكر الضغط على الزناد، ذلك أن من اقتلع الفلسطينين من أرضهم، ومارس بحقهم أبشع أنواع الانتهاكات منذ أكثر من 70 عاما، يسهل عليه أن يصوب الدريئة نحو صحافية، حتى وإن كانت ”قديسة مقدسية“، بحجم ومكانة ونبالة شيرين..

لكن غاب عن ذهن القاتل أن اغتيال شيرين لن يمحو من الوجدان أرشيفا صحفيا حافلا تراكم عبر السنوات..

ما أقوله ليست بلاغة لغوية ولا انفعالا عاطفيا عابرا، فـ“لوصفِ زهرِ اللوز، لا موسوعةُ الأزهارِ تسعفني، ولا القاموسُ يسعفني..“، كما يقول درويش، لذلك فان ما سبق هو حقيقة لمستها ولمسها معي كل من تابع عمل شيرين أبو عاقلة، فهل من نبالة أنصع من هذا التمازج الحار والصادق بين المهنة والقضايا؟.

ستبقى تلك البقعة المقدسة في أرض جنين، حيث سقطت شيرين، حدا فاصلا بين الحق والباطل، وستظل ذكرى الصحافية الشهيدة خضراء في ذاكرتنا، تماما كتلك الشجرة التي رويت بدماء عاشقتها شيرين أبو عاقلة.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك