اتجاهات

أبو الزيك (1 من 3)

بلال فضل

بلال فضل

كاتب وسيناريست

+A -A
تاريخ النشر: 05 مايو 2022 13:45 GMT

عرفت من هم أكثر شهرة ونجاحا منه بكثير، لكن لقائي الأول معه كان أكثر تعقيداً، لأن أصدقاءنا المشتركين حذروني من مبادرته بالحديث عن أمه وأبيه وزوجته السابقة، سواء

عرفت من هم أكثر شهرة ونجاحا منه بكثير، لكن لقائي الأول معه كان أكثر تعقيداً، لأن أصدقاءنا المشتركين حذروني من مبادرته بالحديث عن أمه وأبيه وزوجته السابقة، سواء كان ذلك بسؤال عن ذكرياته معهم أو حتى بإسباغ الثناء على أثرهم الساحر في وجداننا.

ـ ”انتو مجانين يا جدعان، يعني أروح أقابل واحد أبوه فطين عبد الوهاب مخرجي المفضل، وأمه ليلى مراد أهم نجمة في تاريخ مصر، واتجوز سعاد حسني فتاة أحلام الملايين إلى يوم يُبعثون، وما أكلموش عنهم ولو نص كلمة“.
ـ ”انت حر لو عايز تبوّظ المشروع، احنا حذرناك“.
ـ ”خلاص، بس هو لازم نتكلم في حاجة قبل ما نخش على الكلام في المشروع، عشان كده هاكلمه عن (رومانتيكا) الفيلم الوحيد اللي أخرجه، وإزاي بحبه برغم إن تصويره ما كملش، بس الكلام عن الفيلم ده أكيد هياخدنا للكلام عن أبوه وأمه عشان بيتكلم فيه عنهم“.
ـ ”بالضبط كده، غير إنه أصلا ذكرى الفيلم بالنسبة له مؤلمة وهتكون بداية مش لطيفة للقعدة، وياريت كمان ما تسألوش عن يوسف شاهين وشغله معاه كمساعد مخرج أو ممثل لأنه ما بيحبش يتكلم في الموضوع ده“.

وهنا نفد الصبر فأسمعتهم ما لا يحبون، وتساءلت متحدياً عن الذي يمكن أن يحدث لو تجاهلت تحذيراتهم المستفزة وسألته عن كل المذكور أعلاه: ما الذي سيفعله يعني؟ سيتركني ويمشي ويخسر الفرصة المعروضة عليه؟ فجاء جوابهم أشد استفزازا: ”طبعاً سيفعل ذلك إذا دست له على طرف أو لمست عصباً عارياً لديه، وإذا كنت تتصور أن مسلسلك هذا أو ما هو أجعص منه فرصة فأنت لا تعرف زكي فطين عبد الوهاب“.

كنا وقتها على وشك أن نبدأ في تصوير مسلسل (أهل كايرو) الذي كتبته وأخرجه الصديق محمد علي، وكان علينا أن نتجاوز في فترة قصيرة مشكلة انكماش الميزانية المخصصة للاتفاق مع أبطال المسلسل، فبعد أن قرر منتجو المسلسل أن يضعوا إلى جوار بطله خالد الصاوي ”بوكيه“ من النجوم المحبوبين لكي يسندوه في أول بطولة تلفزيونية كبيرة له، لم يجدوا حماساً من محطات تلفزيونية فضّلت المراهنة على المضمون المعتاد والمكرر، طالما كان يحمل أسماء نجوم كبار.

لذلك، لم يعد مطروحاً أن يلعب النجم المحبوب حسين الإمام دور عريس بطلة مسلسلنا صافي سليم، العائد إلى مصر بعد غياب طويل في أمريكا، وبدا لنا أن استبدال حسين الإمام سيكون أصعب من استبدال غيره من الأبطال بسبب مذاقه الخاص في التمثيل، لكننا تحمسنا بشدة حين اقترحت علينا مديرة تصوير المسلسل نانسي عبد الفتاح أن نستعين بزوجها آنذاك زكي فطين عبد الوهاب الذي كان يفكر في العودة للتمثيل بعد طول غياب.

كنا جميعاً من عشاق أداء زكي المتميز في فيلم (مرسيدس) وفيلم (إسكندرية كمان وكمان)، ورأينا أن اختياره وهو العائد بعد طول غياب إلى التمثيل سيكون متماسًّا بشكل ما مع الشخصية التي يلعبها، وحين نبهنا صديق إلى أن زكي بسبب بعده الطويل عن التمثيل يحتاج إلى مجهود مضاعف لكي يكون نطقه للكلمات واضحاً، قال محمد علي إنه سيترك مسؤولية تجاوز هذا العيب لي، وإنه سيتفق مع زكي على أن نجلس سوياً عدة مرات نقرأ فيها الحوار كلمة كلمة، وأقوم باستبدال الكلمات التي يمكن أن يتعثر في أدائها.

كان محمد يعرف أن الجلسات مع الممثلين الذين لا أعرفهم بشكل شخصي ثقيلة على قلبي، لأن التوتر الذي يتملكني حين ألتقي بأشخاص جدد يفسره بعضهم تعالياً ويجده بعضهم عدائياً خاصة حين يسألونني عن أشياء يفترضون أنني أعرف إجابات مطلقة عنها مثل ”الشخصية دي كانت عاملة إزاي في طفولتها؟ هيحصل لها إيه بعد ما أحداث المسلسل تخلص؟ إيه الألوان اللي بتحبها؟“، لكنه أيضاً كان يعرف أنني لن أرفض فرصة الحصول على لقاءات منتظمة مع شخصية فريدة مثل زكي، وأنني مهما حذروني من الحديث معه عما لا يحبه، سأجد طريقة لتجاهل ذلك التحذير والعودة بغنيمة من المعلومات عن الشخصيات الثلاثة العظيمة التي كنت أخطط لكتابة كتب عن حياتها وأهميتها في حياتنا.

كنت أتوقع أن يحدد زكي فطين موعد لقائنا في البار الذي يمتلكه في الزمالك، أو في المطعم الذي يمتلكه في وسط البلد، وقلت لنفسي إن تعاملي معه بشكل لطيف وإقناعه بسجايا شخصيتي، سيجعل علي من السهل أن أطلب منه أن تكون اللقاءات التالية في منزل العائلة الذي قرأت أنه انتقل إلى وسط البلد، بعد أن تم بيع شقة جاردن سيتي التي عاشت ليلى مراد فيها سنواتها الأخيرة، وعندها بالتأكيد سنقسم وقت الحديث إلى نصفين، نصف لمراجعة حوار شخصية شريف التي سيلعبها، ونصف سيصبح مع الوقت ثلاثة أرباع أو ثلثين لتصفح التذكارات النادرة للعائلة وتلمس عطر ليلى مراد في كل ما يحيط بنا.

بعكس ما توقعت، أو فلنقل كما كان ينبغي أن أتوقع، اختار زكي فطين للقائنا مكاناً لا علاقة له بكل تصوراتي عنه، كافتيريا غريبة في شارع شريف بوسط البلد، كانت مشهورة بالسندوتشات الرديئة غالية الثمن، وبكون دورها العلوي ملتقى للحبّيبة الذين لا تناسب الكافتيريات الغالية ميزانيتهم المتعثرة، ولا تتيح المقاهي الرخيصة فرصة التعبير الآمن عن أشواقهم العارمة بالهمس واللمس والأحضان المسروقة التي ربما يطورها الحظ السعيد إلى قبلات خاطفة.

حين وصلت إلى الكافتيريا وجدت زكي فطين غافلاً عن العشاق المتناثرين في أرجاء الكافتيريا، يجلس في ركن بعيد منهمكاً في توزيع عدد من أوراق السيناريو على طاولتين متجاورتين، وقد وضع أمامه عدداً من أقلام التظليل مختلفة الألوان، وقبل أن أعلق على المنظر بعبارة تكسر الجليد وتدشن افتتاحا لطيفاً للقعدة، لاحظت وجود قاطعة أوراق في يده، بدأ يستخدمها في قص بعض الأوراق بتركيز شديد، فتصورت أنه يستخدم تلك الآلة الحادة لإفراغ التوتر قبل أن نلتقي، وحين ألقيت نظرة أقرب على أوراق مجاورة انتهى من قصها، تأكدت أننا داخلون على خناقة يستحسن ألا تكون حامية في ظل وجود قاطعة الأوراق.

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك